مايو 3, 2019

اليوم العالمي للصحافة.. ثمن الكلمة مصير أصحابها

إن أغلى ثمن يمكن لك أن تدفعه في البلاد العربية هو ثمن “الكلمة الحرّة”، التي تهز أركان الأنظمة الفاسدة والدكتاتورية هناك.. كيف لنا أن ننسى زملاء لنا في المهنة كانت حياتهم ثمناً لكلمة حرّة قالوها أو كتبوها أو شجعوا على قولها، والأمثلة كثيرة في بلادنا العربية ليس آخرها جمال خاشقجي الصحافي السعودي الذي تم قتله وتقطيعه في قنصلية بلاده في استنبول أواخر العام الماضي، ناهيك عن النشطاء الإعلاميين الكثر الذين قضوا في الحرب التي يشنها بشار الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيين على الشعب السوري منذ عام 2011.

عندما كنّا نعمل في الصحافة السورية، لم يكن مسموح لنا بالاقتراب من سلطة الحزب والجيش ورأس النظام، وكان عليك كصحافي أن تحسب ألف حساب للرقيب الذي يترصد كلماتك، ويعيد صياغة ما كتبت وفقاً للنموذج المعمم من أفرع المخابرات والأجهزة الأمنية الأخرى بما فيها وزارة الإعلام، التي تتدخل بكل شاردة وورادة في صحافة البلاد، لم يكتفوا بذلك بل امتدت سلطتهم للصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي مصدرين القرارات والقوانين التي تحد من حرية الكلمة عبر هذه الوسائل أيضاً.

صفحات التحقيقات بالصحف الثلاث الرسمية في سوريا، والتي من المفترض أن تلقي الضوء على أماكن الخلل سواء في الحكومة أو بسياسات الدولة، كانت تقتصر مهمتها بإلقاء الضوء “الخافت” على بعض مخالفات فساد حدث في بلديات أو مؤسسات حكومية أخرى، دون السماح لها بالاقتراب من مواضيع حساسة، وفي حال انفلت قلم صحافي من قيد الرقابة والحرية واقترب من هذه الخطوط الحمراء فتهمته جاهزة “إفشاء أسرار الدولة” والتهمة الأهضم “النيل من هيبة الدولة”!  ليجد نفسه وراء الشمس. وهناك لا فرق بين صحافي معارض وصحافي مؤيد، فكلهم أمام الكرباج سواء.. لذا وجد الكثير من الصحافيين والإعلاميين  بالثورة السورية طوق نجاة لهم، ليتخلصوا من القيود التي تفرضها الدولة على الصحافة والعمل الصحافي في سوريا، وينطلقوا في فضاءات الصحافة الحرّة حول العالم.

لكن هل هناك صحافة حرّة بالفعل؟ بإعتقادي ومن خلال تجربتي الخاصة،  نعم هناك صحافة حرّة لكن مدى انتشارها، ومدى تواجدها على الساحة أقل بكثير من تلك الصحافة الممولة والتي تلتزم بما يقوله الممول على مبدأ المثل الألماني القديم: “من يطعمني خبزاً أغني أغنيته”، وهذا ما كان أحد مخاوفي حين بدأنا بعملنا مع أمل برلين، لكن في النهاية تبددت هذه المخاوف، واستطعنا أن نقول ونكتب الكلمة الحرّة دون منغصات على الأقل حتى الآن.

بالنهاية الكلمة الحرّة لا قيمة لها في زمن باتت حرية الإنسان رهن إشارة عنصر أمن أو موظف فاسد، هنا استذكر قول الشاعر السوري الدمشقي الذي تصادف هذه الأيام ذكرى وفاته والتي سعى ليتزوج الحرية من خلال كتابته، الشاعر نزار قباني:

وكيف نكتب والأقفال في فمنا؟
وكل ثانية يأتيك سفاح؟

الرحمة لأرواح من قُتلوا والحرية لمن اُعتقلوا وغُيّبوا بسبب كلماتهم الحرّة، ومقالتهم التي هزّت عروش الطغاة..

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل.
  • Photo: pixabay