أبريل 25, 2019

البسطار والقائد الخالد أبرز ملامح إعادة الإعمار

عندما بدأت الثورة السورية كانت قائمة على محو كل رموز النظام القديم بما فيها أصنام “القائد الخالد” من كل المناطق الثائرة على النظام الذي جعل من الوطن سجناً كبيراً. أذكر تماماً فرحة أبناء درعا حين تم حرق وتدمير تمثال حافظ الأسد في وسط ساحة المدينة، ولا يغيب عن بالي مشهد الرجل المسن الذي لم يتمالك نفسه فبال على رأس الدكتاتور الراحل في مدينة الرقة بعد تحريرها من قوات النظام السوري. إذن هي حالة ثورية تقوم على إزالة واجتثاث هذه التماثيل التي كانت عبارة عن خناجر مغروسة في ساحات المدن السورية للتذكير بالدكتاتور وملك الرعب في مملكة الخوف التي كنّا نعيش فيها.

ناهيك عن كونها حالة ثورية فهي خطوة في بداية إعمار جديدة، وحياة جديدة خالية من هؤلاء الذين كانوا سبباً في خراب البلاد وتدميرها وجلب كل من هب ودب من أصقاع الأرض لتثبيتهم على كراسي الحكم القائم على جثث المعتقلين والمختنقين بالكيماوي. في السياق ذاته أذكر تماماً فيلم good bye Linin  للمخرج الألماني فولفغانغ بيكروخصوصاً المشاهد الأخيرة من الفيلم حين كانت الأم تسير في الشارع لتشاهد طائرة تحمل رأس لينين بعيداً عن شرق ألمانيا الذي التأم شمله مع غربها بعد سقوط جدار برلين، ليوصل المخرج رسالة واضحة مفاداها لا عودة للوراء.

وراء بشار الأسد أمامه!

نظام الأسد يسوّق لانتصاره هذه الأيام، نعم فقد انتصر على ملايين المهجرين ومئات آلاف الضحايا، وعشرات المدن المدمرة، وعشرات الآلاف من المعتقلين.. إذا كان هذا انتصار فما هي معالم الهزيمة!؟ العودة للوراء بالنسبة للنظام السوري تعني المضي إلى الأمام، فبعد أن طردت قواته الثوار من بيوتهم، وهجّرت، وانتزعت الأهالي والسكان من مدنهم انتزاعاً دموياً أمام مرأى ومسمع العالم، عاود الديكتاتور الابن غرز تماثيل الدكتاتور الأب الراحل في ساحات المدن “المحررة” من أهلها، ولا تغيب تلك الصورة التي انتشرت انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي عن ذهني، والتي تظهر تمثالاً لحافظ الأسد وخلفه بيوت دمرتها طائرات “الوطن”، والروسي الحليف.. وكأنه يريد القول لا خطوة للأمام أبداً، وليعلن أمام الجميع المتخاذل أن مملكة الخوف باقية وتتمدد وبمباركات روسية وإيرانية ودولية إلا من رحم ربي.. وليصدق القول الشعبي: “خربها وقعد على تلتها”.

البسطار ينافس (القائد الخالد المؤسس)

منذ وصولي إلى ألمانيا وفي كل المدن التي زرتها كانت تنتصب تماثيل لأدباء وفنانين وعظماء ساهموا ببناء هذا المجتمع الذي عانى من ويلات الحرب الكثير، وله تجربة كبيرة مع الرموز الدكتاتورية، فلا يخلو فيلم وثائقي يتحدث عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلا وتُعرض فيه لقطات لمطارق وأسافين تُدق في تمثال رأس هتلر ورموز حزبه النازية، وفي نفس الوقت تُعرض مقاطع لسيدات الأنقاض اللاتي ساهمن في إعادة بناء وإعمار العاصمة برلين وغيرها من المدن التي دُمرت بالحرب. إلّا في سوريا (الأسد) فإعادة الإعمار تبدأ بإعادة تماثيل وأصنام (القائد الخالد) للتذكير بالقبضة الأمنية، وبأن هذه البلاد لن تُحكم بالقانون، بل بالبسطار العسكري الذي أضحى ينافس (القائد المؤسس) في احتلال ساحات المدن التي يسيطر عليها النظام السوري.

اللوم لا يقع فقط على النظام السوري وأمثلته في الوطن العربي، بل يقع على عاتق الشعب الذي يَمد في أجل هذه الأنظمة ويعطيها شرعية البقاء، ولا أصدق أبداً أن الشعب غير قادر على ذلك، فبعد أن أعلنوا موت الربيع العربي الذي انطلق من تونس، ها هي الجزائر والسودان تبعثان فيه الحياة بثورة شعبهما على طبقة حاكمة مستبدة وقمعية وفاسدة.. إعادة الإعمار تبدأ بالبناء ووضع أسس متينة للبلاد، لا بنصب أصنام القمع والعبودية من جديد.

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل
  • Photo: EPD – Mohammad Alissa