أبريل 16, 2019

الوطن والعائلة في يوم الدين

ليس الكثير من الأفلام العربية يتيح لك عيش القصة دون الشعور بأن حركة الكاميرا بطيئة هنا، أو أن حواراً كان لاداعي له، أو ينتابك الملل بسبب تكرار يقع فيه المخرج، إلخ.. هذا لن يحدث معك عندما تشاهد فيلم “يوم الدين”، الفيلم الافتتاحي لمهرجان الفيلم العربي الذي أقيم في برلين مؤخراً.. بل لا يمكنك إلا أن تبقى مشدوداً لكل تفصيل يمر في الفيلم، والذي على الأغلب لم تكن تتوقع سير حكايته هكذا.. أجل استطاع أبوبكر شوقي بفيلمه الطويل الأول أن يوصل المشاهد إلى اللحظة التي لابد أن يشعر بها أنه ممتن لهذا المخرج لتقديمه فكرة بهذا العمق الانساني.

لم تكن فكرة الفيلم جديدة بالنسبة لشوقي، فقد عمل قبل عشر سنوات على فيلم وثائقي قصيرعن مستعمرة الجذام في أبو زعبل المصرية بعنوان “المستعمرة”، وعندما طُلب منه صناعة فيلم كمشروع لتخرجه بدرجة الماستر بالاخراج من جامعة نيويورك، فكر أن تكون المستعمرة هي المكان الأنسب لطرح مايرغب بلفت نظر العالم إليه، فالكثير من الأهالي يتركون أولادهم في هذه المستعمرة ليعيشوا حياتهم بها أو يمكننا القول ليجنبوهم الحياة خارجها.. يقول شوقي: “كان مهما أن أقدم وجهاً مختلفاً لمصر، مختلف عن المعتاد، حتى الأهرامات اخترت أن تكون زاوية مختلفة لا يراها الكثيرون”.

رحلة اكتشاف الذات

يطرح شوقي بفيلمه “يوم الدين” فكرتين هما الوطن والعائلة، يقول: “يحاول كلاً من بطلي الفيلم (بشاي) و(أوباما) أن يجدا بيتهما وعائلتهما، وأثناء رحلة البحث الصعبة التي يمروا بها، يكتشفوا أموراً تجعلهم يدركون مفاهيم لن ولم يكونوا قادرين على اكتشافها لولا قيامهم بهذه الرحلة، التي تجاوزوا فيها أسوار المستعمرة والتكهنات الملقاة خلفها، فالوطن ليس بالضرورة هو المكان الذي ولدت فيه وانما المكان الذي يشعرك بالارتياح والاطمئنان، ويتقبلك الناس كما أنت دون أحكام مسبقة”.

مرض الجذام أو “هانسن” هو حدوث أورام حبيبية في الجهاز العصبي والجهاز التنفسي والجلد والعينين، وقد يسبب فقدان القدرة على الشعور بالألم، وتنتج عنه تشوهات بالوجه وبالأطراف. بالرغم من ذلك، بطل الفيلم جمال راضي (بشاي) يجعلك غير قادر أن تشيح بصرك عنه، بل يشد أوتار قلبك إليه بما لديه من خفة ظل ولطف وكبرياء.. يقول شوقي: “قبل الفيلم لم يسمع بهذا المرض الكثير من الناس، ولم يعرفوا بوجود مستعمرة للجذام، بينما الآن أصبح (بشاي) راضي جمال معروف في مصر، وصار يقوم بأعمال خيرية كثيرة للعمل على تحسين أوضاع المستعمرة وسكانها، بالإضافة للتوعية بهذا المرض كونه مرض غير معدي، أعتقد انه أصبح الان بطل في مصر والنظرة تغيرت قليلاً وهذا شيء مبشر”.

المضحك المبكي

تبدأ أحداث “يوم الدين” بالأسئلة، فبعد كارثة موت زوجته وعدم وجود أبناء له وهو الرجل الأربعيني المصاب بالجذام، يبدأ (بشاي) بالبحث عن أهله وكيف يمكنه الوصول اليهم وهو الذي لم يخرج من المستعمرة منذ أن وضعه فيها والده عندما كان صغيراً. يغادر على حماره وبصحبة الطفل اليتيم أوباما الذي يصر على مرافقته في رحلته التي يتخللها الكثير من الصعوبات، ومن المواقف المضحكة والمحزنة.. يقول شوقي: “أنا قمت بفيلم عن شخص يحاول إيجاد تعريف لحياته، وتعريف ما هي العائلة بالنسبة له، وما هو المكان الذي يرغب بالعيش فيه”. أثناء الرحلة يتعرض كلاهما لتجارب تُريهم فظاعة العيش خارج المستعمرة، وصعوبة ايجاد الآمان بعيداً عن أسوارها، لقد كانت المكان الوحيد الذي لم يحكم عليهما مسبقًا بسبب مرض لا ذنب لهما فيه، حتى بعد وصولهم الى منزل عائلة (بشاي) ولقائه بوالده، لم يشعر كلاً منهما بانتمائه للمكان، وربما كانت الرحلة كلها ليعثر كل منهما على الآخر، ويقررا العودة إلى المستعمرة لتكون هي الوطن وهي العائلة، يقول شوقي: “في الحقيقة، المستعمرة ليست سجن وكل شخص هو حر بالبقاء فيها أو مغادرتها، راضي في الواقع يسافر كثيراً لزيارة عائلته، ولكن الناس في المستعمرة مرتاحون كون الحكومة تقوم بتقديم المساعدات لهم ، كالخدمات الطبية ورواتب وأعمال ليقوموا بها، راضي لديه بيت وعمل وهوسعيد بحياته هناك”.

مجتمع متعاون رغم آلامه

لايقع المشاهد في فخ الشفقة على أبطال الفيلم بالرغم من صعوبة مامروا به لكنه يقع في حبهما ، ليضحك عندما يغني أوباما لبشاي “الولا ده .. الحلو ده ” وهو الذي يمتلك وجهاً مجذوماً لكنه أصبح محبباً وقريباً للقلب، أو عندما يغير بشاي اسمه بعد أن يهرب من السجن عندما يسأله أحدهم ليصبح أحمد، مختصراً مشكلة قد تقع، أو عندما يصلي في الجامع وهومسيحي، خفة الظل التي يتمتع بها بشاي بالإضافة لكونه شخص يمتلك كرامة لايقبل أن يمسها أحد تدفع الجميع لإحترامه. لايمكنك إلا أن تحزن عندما يسرق نقوده أحدهم، وربما تسقط دمعة عندما يموت صديقه الحمار. المفاجئ أنه يُمثل للمرة الأولى، ليس هو فقط بل حتى الممثلين الثانويين في الفيلم كلهم يقفون للمرة الأولى أمام الكاميرا، لكنهم أتقنو أدوارهم وأوصلو رسالته، وتشعر أنك قريب منهم، تدرك معاناتهم، وتعجبك مساعدتهم لبعضهم البعض كل حسب استطاعته، فالمتسول المقطوعة اقدامه أو القزم المريض لم يقفوا متفرجين على من هم بحاجة للمساعدة ككثير من الناس المعافيين، بل قدموا العون بسلاسة وانسيابية دون أن تشعر أنها مفتعلة بالحدث الدرامي، انما تصل الى فكرة أن الكل بحاجة للكل، لتشكل كل الأدوار فسيفساء ممتعة للمشاهدة. يقول المخرج: “وجدت صعوبة في تجهيزهم للتمثيل، فقد استمرت فترة التحضير لأربعة أشهر قبل الفيلم، خاصة أن معظمهم لا يعرف القراءة والكتابة. كما أنه مهم بالنسبة لي الاستعانة بشخص يعاني من المرض ليقوم بكل تفاصيل دور (بشاي) من طريقة تشغيله لمسجل الصوت الى تدخينه الى نظرة عينيه، هذه التفاصيل الصغيرة كانت مهمة”.

لماذا “يوم الدين”؟

تعود تسمية الفيلم بـ “يوم الدين” لكونه اليوم الذي يقف فيه الناس سواسية لاأفضلية لأحد إلا بعمله، ولا دخل للمظهر أو اللون أو العرق، جوهر الانسان وايمانه هو المخلص في النهاية، هذا ما يؤمن به مرضى الجذام فهم متدينون للغاية حسب ماذكره المخرج. لكن من الممكن ان يتبادر للذهن أيضاً أن اسم البطل الثانوي (أوباما) الذي وُلد بعد ان أن استلم الرئيس الأمريكي أوباما الحكم لم يكن عبثاً، فهو اسم لا ماضٍ له، اسم متفرد لا أصل له ووجوده بالمستعمرة التي لا تعترف بجذور أحد ليس من باب الصدفة.. لكن شوقي يقول: “أثناء بحثي عن طفل للقيام بالدور التقيت بطفل نوبي اسمه الحقيقي أوباما وعندما سألت والده عن السبب قال لي هذا شكله أوباما، وبالنسبة للأب لم يكن له دلالة سياسية وانما في تلك الأثناء كان يرى شخص في التلفزيون اسمه اوباما ويشعر أن هناك صلة ثقافية معه فسماه كذلك، وشعرت أنه أمر ظريف أن تكون الشخصية الجانبية تحمل هذا الأسم”. لكن هذا الطفل الممتلئ بالنشاط وبالأسئلة، كان وجوده حيوياً بالفيلم، أوباما اليتيم الذي تم ايداعه بالمستعمرة بعد أن فقد أهله أثر حادث، وكأنها المكان الأنسب للمنسيين والمهمشين، مامن أحد يسأل عنه، فلا يجد غير بشاي ليكون له مقام العم أو القريب الذي يستأنس به ويحفزه على القيام بالرحلة ومن ثم العودة ليعيشا الحياة التي يرغبان بها.

أبو بكر شوقي في سطور

المخرج أبو بكر شوقي

الكثيرون يعتقدون أن شوقي تحلى بشجاعة كبيرة ليطرح موضوع المستعمرة في فيلمه، وهو بعيد كل البعد عن المعتاد في السينما المصرية، بدأ شوقي بكتابة السيناريو عام 2013، واستغرق العمل على الفيلم 5 سنوات ليُعرض للمرة الأولى عام 2018، حاصداً نجاحاً كبيراً، فقد أعلن مهرجان الجونة السينمائي عن منح المخرج أبو بكر شوقي جائزة أفضل موهبة عربية في الشرق الأوسط التي تقدمها مجلة فارايتي لعام 2018، كما تم اختياره ليمثل مصر في المنافسة على جائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل توزيع جوائز الأوسكار رقم 91، وترشح لمهرجان كان السينمائي، ونافس الفيلم على جائزة السعفة الذهبية وفاز بجائزة فرانسوا شاليه. لم يتمكن بشاي وأوباما من مرافقة شوقي أثناء العرض الأول للفيلم في كان بسبب البيروقراطية، فلم يكن لديهما جوازات سفر سابقاً، وتأخر حصولهما عليها، لكنهما رافقاه في العروض الأولى للفيلم في جونة وتونس والمغرب.

ولد أبو بكرشوقي في القاهرة عام 1985، أخرج عدة أفلام قصيرة منها “المستعمرة” و”أشياء سمعتها يوم الأربعاء 2012″ و”الجمعة الشهيد 2011″ والتي شاركت في عدد من المهرجانات حول العالم. درس شوقي العلوم السياسية التي يعتبرها مهمة لتساعده على فهم القضايا بشكل أعمق مع الإخراج السينمائي في القاهرة، ليكمل دراسته لاحقاً ويحصل على الماجستير من مدرسة تيش للفنون جامعة نيويورك، وكان “يوم الدين” مشروع تخرجه.

Photo: Arab Film Festival Berlin