أبريل 15, 2019

تصدر المرأة للمشهد السوداني.. وحقيقة سقوط النظام!

منذ بداية الحراك السوداني في ديسمبر/ كانون الأول 2018، كان للمرأة دور الصدارة خاصة في الشارع، حتى وصل إلى ذروته خلال الأيام القليلة الماضية، لتصبح السيدات السودانيات بمثابة أيقونة ورمزًا للثورة السودانية. تتلاحق الأحداث وتتوالى الوعود من النظام الإسلامي وصولًا لسقوط البشير الذي لم يخدع المتظاهرين ولم يثنيهم عن مواصلة التظاهر والتمسك بالشارع، فبينما كنت أتحدث إلى ضيوفي من السودانيين الذين يعيشون في برلين، قاطعتنا الأخبار بنبأ تنحي رئيس المجلس العسكري اللواء عوض بن عوف، الذي أقال نائبه كمال عبد المعروف واختار الفريق عبد الفتاح البرهان رئيسًا جديدًا للمجلس، وهو ما لم يبهر ضيوفي ولم يعتبروه انتصارًا للثورة.. في نفس الوقت اختنقت وسائل التواصل الاجتماعي بالنصائح المنهالة من الشباب المصريين تحديدًا على الثوار السودانيين لاعتقادهم أنهم يهدونهم خلاصة التجربة الدرامية المصرية وهو ما لم يتسيغه بعض النشطاء السودانيين رافضين مقارنة التجربتين، بينما حمل بعض الثوار لافتات تقول “نحن لسنا مصر”.. فما هي أوجه التشابه او الاختلاف بين التجربتين؟ ولم هذا التصدر المميز للمرأة السودانية في الحراك الثوري؟ وكيف يؤثر مجرى الأحداث في السودان على من يعيش من أبنائه في برلين؟ وما هي سياقات الحراك السوداني؟

ثلاثون عامًا من النضال ضد القمع

الناشط وعضو الحزب الشيوعي السوداني أحمد عصام الدين

تعود بدايات الحراك الحالي إلى 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018 لمدينة عطبرة (مدينة عمالية بشمال السودان) بسبب زيادة أسعار المحروقات والخبز، ثم بدأ تجمع المهنيين وغيره من المنظمات الجماهيرية في الدعوة لتظاهرات 25 ديسمبر التي نادت في البداية برفع الأجور ثم تطور الأمر إلى المطالبة بإسقاط النظام، وكل من له علاقة بالفساد والإجرام الذي مورس سواء كان منتمي إلى حزب المؤتمر الوطني، أو المؤسسة العسكرية أو الأمنية. استمرت التظاهرات مدة أربعة أشهر متتالية وبشكل منظم وتحت قيادة تجمع المهنيين، ثم أعلن عن ميثاق الحرية والتغيير الذي توافقت عليه الأحزاب من تحالف قوى الإجماع الوطني وتحالف قوى نداء السودان حتى وصل الأمر لاعتصام 6 أبريل/ نيسان، يقول المهندس والناشط السوداني المقيم في برلين أحمد عصام الدين والعضو بحركة (قرفنا): “كل هذه القوى السياسية هي التي قادت نضالات كثيرة خلال الثلاثون عامًا الماضية ضد النظام الذي جاء بانقلاب عسكري عام 1989 واستأثر بالسلطة وفرض قوانين الشريعة الإسلامية كمشروح أيدلوجي وسياسي لأسلمة الدولة السودانية، بالإضافة للأزمات التي خلقها كحرب دارفور واتفاقية النظام الشامل عام 2005 التي أدت إلى انفصال الجنوب عام 2011، والتي تبعها تظاهرات وصلت لذروتها في سبتمبر 2013 حيث بطشت بها الحكومة ونتج عنها مقتل أكثر من 180 متظاهر”.

تصدر المرأة للمشهد السوداني

الناشطة النسوية شادية عبد المنعم

يعتبر أحمد عصام الدين مسألة الانبهار بتصدر المرأة السودانية للمشهد السوداني الآن نوعًا من التمييز ضدها مبنيًا على افتراض انعدام دورها من الأساس، وعلى العكس منه الناشطة السياسية والنسوية شادية عبد المنعم المقيمة في برلين، التي ترى أن المشهد النسوي السوداني ملفت للنظر ولكن هذا كان فقط بمثابة تتويج لتاريخ طويل من نضال المرأة السودانية، عادت بنا شادية لوقت الكنداكة حيث كانت المرأة تحكم في الحضارة المروية والسودانية القديمة، لتمر على خالدة زاهر التي قادت أول تظاهرات ضد الاستعمار البريطاني ثم تأسيسها للاتحاد النسائي، إلى قيادة الطليعيات المتعلمات للحراك السياسي مع الأخوات المسلمات قبل انفصالهن عن رابطة الفتاة السودانية، لتنتهي بنا عند نضال المرأة السودانية ضد إنقلاب الإسلاميين عام 1989.. ولكن ما يعطيهن القوة والخبرة الحالية المتفردة هو ما تعرض له الرجال على يد الإسلاميين خلال الثلاثين عامًا الماضية، حيث المطاردات والتصفيات الجسدية والاعتقالات التي حظي الحزب الشيوعي السوداني بنصيب الأسد منها، ومع بداية التسعينيات اتجهت النساء إلى منظمات المجتمع المدني وسجلت العديد من الجمعيات تحت أي مسمى ومن خلالها قادت النساء العمل السياسي بشكل غير مباشر، وناضلن ضد النظام وضد قانون النظام العام المتحكم بملابس النساء وحيواتهن، وضد تجنيد الأطفال، والتي ترتب عليها جلد العديد منهن ومحاكمتهن، تكمل شادية: “راكمت المرأة السودانية خبرة أكثر من الرجال، لذا يبدو المشهد الأخير مدهشًا للعالم بينما هو في الحقيقة مجرد تتويج لتاريخ طويل من نضال المرأة السودانية”.

وبسؤالها حول احتمالات تهميش المرأة حال نجاح الثورة أو استغلال النسوية لتلميع وجه النظام حال فشل الثورة، قالت شادية: “لطالما أوصلت المرأة الرجال للسلطة من خلال التصويت من خلال الثورات والنضال وغيره، ومن الشائع في كل العالم أنه يتم الالتفاف على حقوق النساء بعد ذلك بصور عدة أشهرها تأجيل نقاش كل ما يتعلق بحقوق المرأة (ليس وقته الآن) لكن ما أراه في الحراك السوداني الحالي هو مزيج من النضج والمرأة السودانية واعية تمامًا لهذا الأمر وتم إطلاق هاشتاج اسمه #وقته_ونص بالإضافة لإصرارهن تصدر قضايا المرأة لنقاشات الثوار الآن فهي ثورة كاملة شاملة”.

هل سقط النظام السوداني؟

الناشط السياسي عصام أحمد جمال الدين

وحول حقيقة الوضع الراهن في السودان خاصة بعدما تم إسقاط عمر البشير وما تلاه من تنحي رئيس المجلس العسكري ونائبه، يرى صلاح أحمد جمال الدين عضو حركة “قرفنا” بأن النظام لم يسقط بعد واصفًا ما يحدث الآن بأنه مجرد استنساخ للحركة الإسلامية في السودان، ولكن بشكل مختلفة، قائلًا: “الحركة الإسلامية تغير فقط جلدها الآن، نحن لدينا خبرة كبرى مع الثورات والانقلابات العسكرية ونعلم جيد حتى من قبل إذاعة البيان أن كل هذه الأمور ستحدث، ناقشنا كل الاحتمالات كالإنقلاب أو الحرب الأهلية أو نجاح الثورة، لذا يستمر الثوار في الشارع” ثم عرج صلاح على دور المجتمع الدولي الذي لن يتخلى بسهولة عن الدولة العميقة نظرًا لرغبته في استقرار الأوضاع في السودان بأسرع وقت خوفًا من موجات لجوء جديدة من كل أفريقيا عبر السودان: “هم يضعون التجارب السورية واليمنية والليبية والعراقية نصب أعينهم الآن، لذا قد يسعدون بالإطاحة بعمر البشير لكن مصالحهم تقتضي الإبقاء على النظام، لذا نحاول جهدنا الضغط على المجتمع الدولي”.

التجربة المصرية ليست حاضرة

بمجرد أن أجابت على هاتفي بادرتني الناشطة شادية عبد المنعم قائلة: “هل رأيتِ ما حدث، لقد استغرقوا بعض الوقت كي يسرقوا ثورتكم، أما نحن فقد سرقوها منذ أول لحظة”، ثم شرحت لي تعقيدات الموقف في السودان وكيف أن الإسلاميين لديهم سيطرة كاملة على الجيش من خلال خطتهم لما يسمى بالتمكين على مدار ثلاثين عامًا، ليفقد مثال سحق الثورة ما بين “الإسلاميين والعسكر في مصر” معناه في السودان، حيث أن الإسلاميين هم العسكر والعكس بالعكس على حد قولها “إثنين في واحد”. مضيفة: “إن الفترة الانتقالية ما هي إلا انقلاب عسكري وفترة كي يعيدوا تنظيم أنفسهم مرة أخرى” موضحة كيف أن المجلس الانتقالي كله إسلاميين عدا عضو واحد استقال، مستبعدة قيام الإسلاميين بتأسيس حكومات ديمقراطية نزيهة. وبأنها كانت تتمنى “إسقاط الإسلاميين في مصر من خلال الديمقراطية”، وهذا كان سيكون الدرس الحقيقي للمصريين من تجارب السودان .

وحول تطابق التجربتين المصرية والسودانية، لم يرى أي من ضيوفي الأمر بهذه الطريقة، فالسودانيين لديهم من تجارب الإسلاميين ما يكفي، تقول شادية: “اختبرنا حكم الإسلاميين ثلاثيين عامًا بل قبل ذلك منذ تآمر الإخوان مع الإنجليز وحتى الكذب والخداع باسم الدين”. يشاركها أحمد عصام الدين الرأي في عدم تقاطعات التجربتين، رغم قوله إن القوات المسلحة السودانية ولدت من رحم القوات المصرية، لكن هناك اختلاف كبير بالبنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبلدين، وكيف أن المؤسسة العسكرية في السودان خلال الفترة الماضية كانت منحازة للمشروع الإسلامي بينما ظل المشروع الإسلامي لفترات طويلة في مصر في موقع المعارض، أضف إلى ذلك التجربة التاريخية في مرحلة ما بعد الاستعمار. ليؤكد عصام الدين على أن التعلم من تجارب الآخرين عملية متبادلة ومستمرة وأن الأهم الآن هو “الثورة السودانية تحتاج لدعم كل الدول والنشطاء”. معبرًا عن غضبه لمحاولات القوات المسلحة المصرية برئاسة السيسي التدخل بشكل غير مباشر كي لا يتم التأسيس لنظام مدني بالسودان حتى لا تصبح التجربة السودانية بمثابة مدرسة جديدة يتعلم منها المصريين، كما استفاد السودانيين من التجربة المصرية.

دعم الثورة من برلين

الفنانة هناء عبيدي

بسؤالها عن رؤيتها لمستقبل الثورة، تقول المطربة السودانية الألمانية هناء عبيدي والمقيمة في برلين بأنها متفائلة تمامًا وموقنة من نجاح الثورة فقد خاض السودان ثورتين في أكتوبر 1964 وفي أبريل 1985، وهذا رصيد كاف يجعل الشعب السوداني يمتلك خبرة ليتفادى الأخطاء السابقة، واصرار الثوار على مطالبهم دليل على ذلك. وبخصوص دعم الثورة والثوار في السودان، أكد كل من عصام الدين وجمال الدين على تكريسهما لوقتيهما مع العديد من أبناء الجالية السودانية في ألمانيا بل وفي الخارج من عبر إرسال الدعم اللوجيستي وتعريف العالم بالثورة السودانية وضرورة دعم الثوار من خلال عدة مجموعات مختلفة أهمها “انتفاضة السودان” التي يأتي ضمن مهامها أيضًا تنظيم التظاهرات الداعمة هنا في برلين.

Photo: pixabay.com