أبريل 12, 2019

عارف حمزة.. في حينا شاعر

استقبل أهالي بوخ هولس قرب هامبورغ، الشاعر عارف حمزة بلافتة كبيرة كتب عليها “أخيراً صار في حينا شاعر”، هذا الشاعر الكردي السوري الذي جاء سابقاً إلى ألمانيا عام 2014، تفاجئ أن أهل حيّه الجديد اشتروا كل نسخ كتابه. لقد كان محظوظاً أن ديوانه الأول بالألمانية قد تم نشره بالفعل، ليعرفه الناس من خلال كلماته. استطاع حمزة أن يجد عملاً بدوام جزئي في مكتبة سلافيسكي التابعة لنفس الحي، والتي حصدت العام الماضي جائزة أفضل مكتبة في نيذرساكسن، مما مكنه من التواصل مع زبائن المكتبة وهم الفئة التي تقرأ وتحب الكتب.

تتنوع مواضيع قصائد حمزة مابين الحرب والغرق في البحر أو المنفى، لكن غالباً ما تمسح عن خدك دمعة انحدرت، أو دهشة مُرّة لنهاية لم تتوقع ألمها أثناء قراءة نثره، فهو يعتبر أن نزول الدمعة لا يعني البكاء، وانما هو تزييت لمفاصل الحكاية بالدموع.

الماضي وسلية للبقاء

يكتب حمزة في القطارات التي يستقلها غالباً، يقول في احدى مقاطع مجموعته (مثل سيروم معلق في يدها): “في القطارات كنت أبكي”، وهذا الأمر لم ينتهي بعد وصوله إلى ألمانيا، فكلما ركب قطار يتذكر ذلك الشخص الذي كان يبكي في قطارات سوريا وتركيا والآن في ألمانيا، قد لا يكون بكاء ولكنه حزن شديد. يجد حمزة أنه من الأفضل ألا يعتاد الشخص على المكان، وانما البحث عما هو جديد أو غريب فيه، ليكون مكاناً قابلاً للعيش فيه.
يسعى حمزة دائماً على مواصلة الحياة للأمام، لكن مع الماضي مستنداً لجملة وليم فوكنر “الماضي لم يمت حتى انه لم يمضي”، فيقول في نفس المجموعة: “هاجر كل السرب وترك لي وزة مريضة” هذه الوزة بالنسبة للشاعرهي الماضي الذي لم يستطع أن يهاجر مع الآخرين والذي بقي هناك، يقول حمزة: “في المنفى دائما يقوم الماضي بإطعامنا، فالوزة بالنهاية هي التي تطعمني، والماضي الذي مازال يعيش داخلي، يجعلني أستمر بالعيش في هذا المنفى”.

الحنين والخوف من العمى

شارك حمزة بمشروع “شعراء الجيران” عام 2017 مع عدد من الشعراء السوريين والألمان لترجمة أشعار بعضهم البعض، والذي صدر عنه لاحقاً أنطلوجيا بعنوان (خوفك فردوسك). يعتبرها حمزة مبادرة جيدة، فقد توقفت الترجمات من الطرفين عند أسماء قديمة. يقول حمزة: “هذه التجربة جعلتنا نتعرف على تجارب فلسفية مثل يان فاكنر، وعلى قصيدة النثر اليومية عندهم مثل مونيكا رينك، كما مكنت المشاركين من اكتشاف مجايلين بالشعر الحديث ليسوا عرب ولكن لديهم نفس الهواجس، وهذا يسعدني جداً فالشعر كائن انساني غير مرتبط بمكان”.

لكن أكثر ما يخيف هذا الشاعر أن يفقد بصره، ففي مجموعته الشعرية الجديدة “لست وحيداً” دائماً ما ترى تلك العيون التي تتفقد الأطراف المبتورة، أو التي تستطيع ان تتلمس الحياة بنظرة هنا مودعة اياها بلفتة هناك. يقول حمزة: “أخاف من العمى، أعتبره أكبر من الموت، فالعمى يحرمني من متعتي بالقراءة”. وأكثر ما يحن إليه حمزة هي أحلامه التي فارقته، يقول: “يزعجني ان والدي، الوحيد في قبره، لم يعد يزورني في مناماتي هنا، بينما في سوريا كان يزورني دائماً”، لكن حمزة يغفر لوالده عدم قدرته قطع كل تلك المسافات. يحن الشاعر أيضاً للآخرين الموجودين هناك، للنساء الجالسات أمام بيوتهن وينتظرن السراب أن يمر أمامهن ولحكاياتهن الكثيرة، يحن لبائع الخضرة وبائع الحليب، يقول: “أحن للناس الذين يعرفون الحياة ويعرفون طعم الأشياء وقصصها، إلى الضحكة وحس الفكاهة للروح الخفيفة الرهيفة”.

صياد سمك وليس شاعر!

لايدري أحد إن كان لحمزة قدرة على رؤية القادم ففي مجموعته الأولى (حياة مكشوفة للقنص 2000) كتب عن الحرب قبل أن تحدث، وفي مجموعته (قدم مبتورة 2006) وصف تماماً ماحدث لاحقاً، كمغادرة الناس لوطنهم، يقول: “تعالوا نغادر هذه الأرض/ أقول للناس في الحي الذي سأحرقه يوما ما/ سنبيع كل شيء/ لنموت على الحدود أو في البحر/ وإذا حالفنا الحظ/ سنموت في الغابات”.

رغم أن حمزة دخل السجن في سوريا ليوم واحد، لكنه استطاع كتابة مجموعة كاملة بعنوان (الكناري الميت منذ يومين 2009) والتي يمكن عدها من أدب السجون، متحدثاً عن أساليب التعذيب المختلفة التي يتعرض لها السجين وقد توصله إلى الموت. يتخلص حمزة في كل كتاب يؤلفه من شخصيات كانت تسكنه، علّه في النهاية يحصل على شخصيته الحقيقية والتي قد تكون حسب تعبيره “صياد سمك وليس شاعراً”.

يجد النقاد أن حمزة يكتب عن الأشياء العامة ببساطة شديدة وبلغة انسيابية أحياناً تكون صادمة، متناولاً ثيمات كبيرة منها الهوية. في مجموعته (لا أريد لأحد أن ينقذني 2014) يقول حمزة: “كلما عثروا على جثة مجهولة الهوية أقول هذا أنت”، لتكون هوية الشاعر هي هوية المظلومين الذين تلقوا كمية هائلة من الأذى دون أن يكونوا قادرين على تفسيره أو رده عنهم وعن أولادهم. يقول: “الجثة المجهولة الهوية هي ليست شخص ميت فقط، وإنما هي الجثث الغير قادرة على الدفاع عن نفسها، هم أشخاص أحياء لكنهم للأسف غير قادرين على متابعة حياتهم كما يرغبوا، هم يراقبوها وهي تمشي أمامهم، دون أن يعيشوها”، وكأنه موت مؤجل.

الشاعر الحقوقي

عمل عارف حمزة في سوريا كحقوقي بلجنة الدفاع عن حقوق الانسان كعضو في مجلس الأمناء، كان مبتعداً عن السياسة والسياسيين لقناعته أنهم قادرين على التقلب، أما الحقوقي فهو على مسافة واحدة من الجميع، لكن عام 2005 قدم استقالته لوجود بعض العاملين بحقوق الإنسان هم أعضاء مكاتب سياسية سعوا لخدمة أجنداتهم السياسية فقط.

تُرجمت قصائده إلى لغاتٍ عدّة كالفرنسيّة والإنكليزيّة والألمانيّة والتركيّة والكرديّة والإسبانيّة والفنلندية والدانماركيّة والكاتالانيّة والسويديّة. كما حاز على عدد من الجوائز الأدبيّة من بينها جائزة محمد الماغوط للشعر 2004. قامت المُترجمة الألمانيّة ساندرا هتزل بترجمة قصائده الى الألمانية في كتابه الأخير(لست وحيداً 2018)، وقد سبق لها أن ترجمتْ للشاعر نصّاً بعنوان “جولة تعذيب أخيرة” عام 2011، أي قبل إقامته في ألمانيا بثلاث سنوات، وأصبحت القصيدة مونولوجاً في مسرحية ألمانية عرضت في برلين.

Photo: Amloud Alamir