مارس 25, 2019

ضمن أيام إدوارد سعيد.. “عالم ليس لنا” في برلين

“بعد أن أنهيت التصوير في عين الحلوة وذهبت إلى بريطانيا، رحت أبحث عن كل الوثائقيات الخاصة بفلسطين، وجدت مشاهد لـ بن غوريون بينما ينظف ويعمل في مزرعته بنفسه، وكنت أفكر لو ظل جدي يعيش في صفورية ولم يتم إخراجه منها، لكان يعمل في قريته الآن”.. بهذه الكلمات أنهى مهدي فليفل فيلمه الوثائقي “عالم ليس لنا”، الفيلم انتاج 2012، عرض مؤخراً في برلين ضمن فعاليات “أيام إدوارد سعيد” التي نظمها Pierre Boulez Hall وBarenboim-Said Academy.

الكاميرا الشاهد 

لمدة عشرين عامًا قام مهدي ووالده وعمه بتسجيل كل لحظاتهم ابتداءًا من مهدي طفلًا رافعًا علامة النصر بينما كان يعيش مع والديه في الكويت، إلى التنقل بالكاميرا عبر الزمن لرصد الحياة الحافلة والبائسة للفلسطينيين بمخيم عين الحلوة جنوب لبنان، وذلك من خلال تتبع جد مهدي الذي مازال مؤمنًا بحقه بالعودة رغم تخطيه عمر الثمانين، وسعيد الشاب الذي فقد حب الحياة بعد مقتل أخيه، ثم أبو إياد، ذلك الرجل الذي فقد إيمانه بالقضية وبمنظمة فتح التي انضم إليها طفلًا في السابعة من العمر.

من بطل إلى خائن!

الفيلم أشبه بطنطورية رضوى عاشور، حيث لا وجود لبكائيات بعض الإسلاميين المنادين بهلاك اليهود، ولا ابتذال بعض العلمانيين الذين آلوا على أنفسهم مهمة تمييع القضية. هو فقط ينقل مشاهد من حياة بالغة البؤس في مخيم عين الحلوة الذي طالما كان تحت سيطرة حركة فتح التي كانت تتمتع بشعبية كبيرة في الماضي، فقدتها مع اتفاقية أوسلو ومن ثم تحول ياسر عرفات من بطل إلى خائن.

بشر عاديون ليسوا ملائكة ولا أشرار، هم فقط أبناء بيئتهم وأبناء معاناتهم، مجموعة من فلسطينيو الشتات يعيشون في بيوت متكدسة يكاد المشاهد يشم رائحة عفنها من شاشة العرض، وعجائز انتزعوا من أراضيهم عندما كانوا صغارًا، لكن مازال الجنرال الفلسطيني المتقاعد موقنًا أن هناك حرب قادمة و”ستنتهي فيها إسرائيل” شارحًا خطته المتخيلة لعمل ذلك، والجد يرفض اللحاق بابنه في الدانمارك، فهو سيعود إلى فلسطين.

الإحساس بالهزيمة

عجائز مازالوا يرون فلسطين الحلم، وآخرين بصدد توديع شبابهم الذين أنهكهم البؤس واليأس، فلم تعد بطولات كأس العالم تهز وجدانهم كما كانت، الشوارع والأسواق والبيوت والوجوه تقاوم تآكلها وكأن سقوطها سيسقط القضية، يبلغ اليأس ذروته عندما يكفر أبو إياد بكل شيء ويبدأ في إحراق أوراق شعارات وأشعار الثورة، ثم يقع بيده كتيب لغسان كنفاني بعنوان “عالم ليس لنا” فيلقيه جانبًا معلنًا توقفه الفعلي عن نضاله الذي استمر أحيانًا، كي يستمر دعم حركة فتح له ولأصدقائه في المخيم، ليقع كل من مهدي وأبو إياد في فخ الإيكليشيه الشهير والذي جاء على لسان أبو إياد عندما لعن الثورة والثوار والنضال وتمنى داعيًا أن تأتي إسرائيل وتقتل الجميع، والذي دائمًا ما تعقبه جملة اتبذلت استخدامًا من قبل بعض العرب “إسرائيل أرحم بنا من أنفسنا”.

تباين المشاعر!

تسعون دقيقة لا يمل المشاهد من استمرارها، يتخللها دمعة لا يمكن حبسها وضحكة مريرة بطعم سخريتي المدفونة عندما هزت إحدى المشاهدات رأسها بأسى فأخفت عني جزء من الشاشة بسبب قيام سعيد بتحميم طائر صغير في البرد، بينما لم يعترض رأسها مجال رؤيتي أثناء عرض تهجير الفلسطينيين وإخراجهم من بيوتهم وإلقاءهم في المخيمات!

إختيار موفق للعرض في فعالية.. “أيام إدوارد سعيد” .

أمل برلين | إعداد وتقرير: أسماء يوسف
Photo: Edward W. Said Days FB event