مارس 22, 2019

النساء الملونات وذكريات مشهد سقوط جدار برلين وما بعده

يعرض فيلم (حائط برلين سقط على رؤوسنا: كيف رأت النساء الملونات سقوط حائط برلين) الفرحة العارمة والدهشة الكبيرة التي انتابت الجميع ليلة سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1989.. الباحثة في الدراسات الثقافية والمتخصصة بشؤون “شتات السود” بيجي بيشا إحدى بطلات الفيلم قالت إنها كانت في حانة مع أصدقائها بمدينة إيرفورت، بينما كان السياسي الألماني في حزب SED جمهورية ألمانيا الديمقراطية آنذاك جونتر شابوفيسكي يعلن في مؤتمر صحفي حرية التنقل بين الألمانيتين!

الناشطة بمجال فض النزاعات كاتيا كيندر، قالت في الفيلم أنها كانت بصدد العبور إلى ألمانيا الشرقية، وكانت تنتظر عند نقطة تفتيش بينما لم يكن هناك أي ضابط، ثم جاء أحد الضباط وقال لها بفرحة لقد فتح الحائط، تستطيعين العبور دون إجراءات.. أما الحقوقية والعاملة بمجال حق المهاجرين بالمساواة لويسا مورييل، فتذكر ضمن الفيلم أن أصدقائها هاتفوها منتصف ليلة اختراق الجدار وأخبروها أنهم منذ سقوط الحائط وهم يتنقلون ذهابًا وإياباً عبر بوابة براندنبورغ.

بعد عقود على سقوط جدار برلين.. ترى هل انعكس هذا السقوط بما يحمله من معاني التسامح على حياة الأقليات والمهاجرين والملونين في ألمانيا؟ أم أن خلف هذا المشهد ما يجب الحديث عنه؟

المشاركات في الندوة الحوارية للفيلم

خمس سيدات ملونات من خلفيات ثقافية مختلفة يحكين ما هو خلف مشهد الفرح بسقوط الجدار، وعن نشاطهن السياسي المناهض للعنصرية والتمييز ضد المرأة في الفيلم الوثائقي المعنون بـ “حائط برلين سقط على رؤوسنا: كيف رأت النساء الملونات سقوط حائط برلين”. الفيلم تم أُنتج كجزء من مشروع Verwobene Geschichten وقدمته المدرسة العليا Alice-Salomon-Hochschule، وعرضته مؤخراً مؤسسة Gedenkstätte Berliner Mauer بحضور د. ساره بورنهورست من مؤسسة جدار برلين، والمخرجة ديانا إيزابيليزا، ود. جاكوب لانجفورد وأدارت النقاش هايدي بارتس من مؤسسة الجدار.

العنف والإعلام والخطاب السياسي

يوضح الفيلم تأثير الإعلام قبل وبعد سقوط الحائط، حيث جرت العادة على تسمية المهاجرين بـ “الفيضان” كما تقول نسرين في الفيلم، حيث راح الساسة الألمان يستخدمون هذا الوصف بكل وسيلة. تقول بيجي بيشا إحدى شخصيات العمل: “كان المستشار هلموت كول يريد الفوز بالانتخابات التالية في وقت لم يعد ضخ المال كافيًا لإغراء الألمان الشرقيين -الغاضبين تحت وطأة شعورهم بأنهم تركوا في الخلف بواسطة المجتمع- فما كان منه إلا أن بدأ تصريحاته غير الإنسانية وحديثه عن إساءة استخدام حق اللجوء من قبل المهاجرين”.

الفاشيون من البلدين في بلد واحد

“عانى ألمان الشرق كثيرًا قبل سقوط الجدار، وانتظروا لعقود حتى يعاملوا كـ (ألمان)، لذا بعد الوحدة لم يكن أمامهم سوانا لتوجيه انتقاداتهم” قالت نسرين بصيري إحدى المشاركات في الفيلم وقصدت بكلمة “سوانا” المهاجرين. أما كاتيا كيندر سيدة أخرى مشاركة بالفيلم رأت أن المشكلة نابعة من النظم الحاكمة وأضافت: “عندما لا يوجد إجابات أو حلول لأزمات الرأسمالية يتم استحضار الأداة القديمة للعب بالناس ضد بعضهم البعض، عملًا بقاعدة فرق تسد، والغريب أن الأمر ينجح في كل مرة”. واصفة ما حدث بأنه كان بمثابة “اجتماع ذوي الميول الفاشية من البلدين في بلد واحد حيث قامت حكومة الغرب بتأجيج هذه المشاعر”.

العنف والخوف ينتشران

ازدادت أوضاع المهاجرين سوءًا بعد سقوط الجدار، ووقعت حوادث روستوك ومولن وزولنجن العنصرية وغيرها، بيجي بيشا إحدى بطلات الفيلم تصف الحياة في برلين: “لم يكن أحد يذهب إلى مناطق الشرق مثل مارتسان وهيلرزدورف إن لم يكن هناك ضرورة قصوى، ازداد العنف اليميني عن ذي قبل وأصبح أكثر قبولًا وأشبه بالعقاب، يرتكب بوضح النهار دونما الحاجة لارتكابه سرًا في الليل”.

نيفيديتا براشاد مشاركة أخرى في الفيلم قالت أنها لم تصدق في ذاك الوقت أنه سيكون هناك نهاية لهذا العنف.. “كان لتلك الأحداث تأثير كبير جدًا على أصدقائي المهاجرين، معظمهم كانوا خائفين من أشياء لم يختبروها أبدًا في الماضي، وبدأ معظمهم باتخاذ تدابير وقائية، لا أحد يذهب إلى شرق برلين، أنا لم أفعل ذلك لأعوام، لم أكن أفهم الناس هناك، وكنا وبشكل يومي نسمع عن شخص ما تم دفعه ليسقط تحت عجلات القطار وهكذا، وعند نقطة محددة زاد الأمر عن حده بالنسبة لي”. وانتقدت لوسيا مورييل في الفيلم تعاطي الألمان مع الأمر في ذلك الوقت بالقول: “حتى الأصدقاء الألمان كانوا يرون أننا نعيش هنا مع أطفالنا منذ وقت طويل، وعلينا أن نتعامل مع الموقف بأنفسنا”.

العنصرية داخل الحركات النسوية الألمانية

تروي السيدات خلال الفيلم كيف لم تستطع الحركات النسوية الألمانية والأوروبية وقتها التخلص من العنصرية، حيث اعتادت مثلًا منظمة (تيريز دي فيمينز) على رسم رجل أسود يضرب امرأة شقراء في ملصقاتها ومنشوراتها، وكيف ناضلت نسرين لتغير هذه الصورة لديهم، مع اعترافها بدورهن النضالي السابق من أجل حقوق المرأة المهاجرة والملونة، وكيف قامت إحدى النسويات بالسخرية من اسم نيفيديتا براشات في إحدى محاضرات النسوية بجامعة برلين الحرة، والعديد من الحالات مما دفع بالنسويات الملونات واليهوديات بتكوين تحالفاتهن الخاصة.

تحالفات خارج الحراك النسوي “الأبيض”

جانب من الحضور لمشاهدة الفيلم والنقاش بعده

يوضح الفيلم أن العديد من النسويات الملونات والمهاجرات واليهوديات قمن بعمل تحالفات تجمعهن في ذلك الوقت من أجل النضال لقضاياهن مع اعتماد استراتيجية مفادها عدم مقاطعة الحراك النسوي الأبيض، بل على العكس عمدت هذه التحالفات على المشاركة والنقاش بل وقبول النقد لأجل تطوير الذات، ليسطرن سويًا قصة نضالهن داخليًا وخارجيًا، فقمن بالتركيز على قضايا الاتجار بالنساء المهاجرات وسياحة الجنس حينًا، وتناولن ظروف العمل التي تخضع لها المرأة المهاجرة حينًا آخر، ثم الانتهاء إلى أن عدم العمل للمرأة المهاجرة خصوصًا يعني الاعتمادية وفقدان الاستقلالية (لوسيا موريل)، استطعن النضال من أجل المجتمع الفيتنامي خاصة في الشرق، وتناولن مشاكل ترحيلهم بعد أن أسسوا حياتهم هنا، وتظاهرن سويًا من أجل تحسين أوضاع مجتمع “السود” في ألمانيا (كاتيا كيندر)، واتحدت النسويات الإيرانيات على مختلف مشاربهن الفكرية لإنقاذ المعتقلات في إيران من الاعدام واستقبال من استطاعت منهن الهرب من إيران بعد إطلاق سراحهن (نسرين بصيري)، حاربن آثار قوانين الإقامة على الاتجار بالنساء (نيفيديتا براشاد).

أمل برلين | إعداد وتقرير: أسماء يوسف
Photo: Oranous Onib  – Cover Photo: pixabay.com