فبراير 2, 2019

المصالح والأخلاق في تعامل أوروبا مع الديكتاتوريات العربية!

في رمزية عبثية احتفت بعض منصات الأخبار المصرية بزيارة وزير الاقتصاد والطاقة الألماني بيتر ألتماير لمصر، وذلك بالحديث عن “استثمارات ألمانية جديدة في إعادة تدوير القمامة المصرية” الحقيقة هذا ليس بعيدًا جدًا عن الواقع، فما تقوم به الحكومات الأوروبية هو إعادة تدوير لمخلفات الحكومات الديكتاتورية السلطوية في العالم العربي.

لا يهم إن كان السيسي يسجن عشرات الآلاف من الشباب من المعارضين، ولا يهم إن كانت مصر مشتركة في تحالف بقيادة السعودية لضرب اليمن وتفجيرها، الأهم أن تزداد صفقات شركات السلاح الألمانية والفرنسية وشركات الطاقة الألمانية ومؤخرًا شركات تدوير القمامة.

أي استقرار وأي منطقة؟

في تعليق على الزيارة وصف موقع handelsblatt الاقتصادي الزيارة بالمهمة، ونقل عن وزير الاقتصاد والطاقة تصريحاته لوكالة الأنباء الألمانية تعليقًا على الزيارة أيضًا بأن “مصر واحدة من أهم شركائنا لاستقرار المنطقة برمتها، وبأن ألمانيا تعد شريك اقتصادي مهم لمصر”، واعدًا أنه سيتناول قضايا مثل سيادة القانون والفساد والحريات الدينية.

لم يوضح لنا السيد الوزير عن أي استقرار يتحدث؟ أي استقرار تمثله دولة غير مستقرة في المنطقة؟ أي نوع من أنواع الأهمية تمثلها دولة يسجن نظامها الشباب والمعارضين ويعاني شعبها من الفقر والجوع؟ مصلحة من؟ اليمن، التي تعد مصر إحدى الدول المتورطة في حرقها تحت مظلة التحالف؟ ربما يتحدث الوزير عن مصر لا نعرفها ومنطقة لم نسمع عنها، ربما يتحدث حقيقة عن مصر السيسي ومنطقة المصالح الأوروبية.. من المهم معرفة استقرار من وعلى حساب من؟

تصدير السلاح مستمر

تخالف عمليات تصدير الأسلحة في المانيا بشكل عام الاتفاق بين شركاء التحالف الحاكم والذي ينص على عدم تصدير الأسلحة لأي من الدول المتورطة في حروب، وقد رصد مركز معلومات العسكرة مركز معلومات العسكرة في توبنجن IMI قيام دول أوروبية من بينها ألمانيا بتصدير السلاح بشكل مباشر وغير مباشر لدول متورطة في نزاعات مسلحة كالسعودية والإمارات ومصر وقطر وغيرهم من الدول. وآخر صفقة سلاح تمت بين مصر وألمانيا كانت منذ شهور، حيث قامت ألمانيا وفقًا لتقرير نشره موقع شبيجل أونلاين في الثاني من يناير/ كانون الثاني الماضي، بتصدير فرقاطة Meko 200 لمصر تبلغ تكلفتها 500 مليون يورو، وأشار التقرير بأنه تم الاتفاق على تصدير فرقاطة أخرى لمصر خلال السنوات القادمة. طبعًا هذا بالإضافة إلى الأسلحة الأخرى المصدرة والتي تستخدم في قمع المعارضين والتي لا تعد الفرقاطة إحداها، وهذه حجة يرددها سادة دعم الديكتاتور.

تدوير السيسي دوليًا وفقًا للمصلحة

بينما أضفى السيسي الشرعية على وجوده داخليًا من خلال انتخابات بهلوانية تم اجراءها في أجواء من الرعب وتكميم الأفواه واعتقال كل من تسول له نفسه الترشح أمامه، يقوم أعضاء الجماعة الدولية (ومنهم ألمانيا) طواعية بتقديم الدعم المستمر لهذا النظام من خلال التعاون والمساندة، في محاولة لإعادة تدوير السيسي من “الديكتاتور المصري” إلى “الحليف والشريك المصري”، كل هذا فقط لتحقيق المصالح الألمانية، مع تجاهل تام لأي معايير إنسانية أو أخلاقية.

صكوك المغفرة الأوروبية

الوزير الألماني بيتر أتماير

يعتبر البعض ألتماير داهية سياسية نظرًا لقدراته التفاوضية لخدمة مصالح ألمانيا، في الحقيقة لا أرى ذلك، الأمر وما فيه أنه محظوظ بأنظمة ديكتاورية لديها الاستعداد لفعل كل ما يحلم به أي صاحب مصلحة أوروبي فقط من أجل استمرارهم على كراسيهم، ألتماير وماكرون وترامب وغيرهم محظوظون بأنظمة قمعية دموية في الشرق الأوسط مستعدة أن تبيع البلدان التي تحكمها كاملة مقابل شراء صكوك المغفرة الأوروبية، والتماهي مع الأوضاع المتردية والاكتفاء بتصريح أو اثنين عن عدم الرضا الأوروبي عن السجل الحقوقي في أي من هذه الدول، فسينقذ السيسي سيمنز مقابل صك استقباله في ألمانيا قبل 4 سنوات، وسيشتري 24 طائرة رافال ليشتري صك سكوت فرنسي.

المصلحة أولًا

حسناً دعونا نتحدث بلغة المصلحة وبصراحة، الشعوب الرازخة تحت نير الديكتاتورية لا تمثل للحكومات الأوروبية سوى أرقام يمكن التلاعب بها من أجل الضغط لإجراء صفقات، فقد رأينا جميعًا ماكرون بزيارته الأخيرة لمصر وبعد تسليم 23 مقاتلة رافال وفقًا لعقد يقدر بـ 5.2 مليار يورو، وبعد اعترافه هو شخصيًا باستخدام السلاح الفرنسي في قمع المتظاهرين في عام 2013، خرج أمام الإعلام وانتقد الوضع الحقوقي في مصر، ومن أجل ذر قليل من الرماد في العيون أكد على ضرورة استخدام السلطات المصرية للأسلحة الفرنسية لأغراض عسكرية للدفاع عن البلاد من التهديدات الخارجية لا لقمع المدنيين.

بنفس لغة المصلحة الفجة، ألا تخشى الحكومات الأوروبية اندلاع الثورات مرة أخرى في البلدان العربية وما قد يترتب عليها من غضبة الشعوب وعدم قبولهم لأي تعاون مع أوروبا؟ لننسى المعايير الإنسانية التي لاتهم وزير الاقتصاد الألماني ولا الرئيس ماكرون، لكن هل تخيل أي منهما إمكانية وصول حكومات ثورية راديكالية للحكم في الدول المعنية وما قد يترتب عليه من تجفيف منابع أي تعاون مع الدول الأوروبية؟ ألا يخشون حنق وحقد أبناء هذه الشعوب على سياساتهم؟

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته، ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين
    أسماء يوسف | أمل برلين
    Photo: EPD – Andreas Schoelzel