يناير 7, 2019

اللاجئون وآلة زيهوفر للعودة بالزمن!

أول مرة سمعت فيها أحد يتحدث عن ترحيل مجرم من اللاجئين كانت قبل عامين، وبغض النظر عن فردية الموقف الذي طُرحت فيه الفكرة وعشوائيته، لكن أذكر أنني شعرت بنبرة بدائية قبلية في الحديث، ولم أتكلم عن هذه الواقعة قبل ذلك، فقد اعتبرتها أفكار من الماضي السحيق أو مجرد فانتازيا يستدعيها بعض الأفراد في غمرة الغضب كرد فعل على عمل إجرامي ما، لم أكن أعرف أن السيد زيهوفر لديه “آلة زمن” يتجول بها ليلًا متخبطًا بين الحضارات السحيقة ليعود إلينا في الصباح إما بشعار مليء بالكراهية لعله استقاه من الحقبة النازية، أو فكرة طبقية أعجبته بينما كان يتجول في روما القديمة حيث كانت العقوبات تختلف باختلاف الطبقة التي ينتمي إليها المحكوم عليه.

مرت المنظومة العقابية بعدة تطورات على مر العصور، ففي البداية اتسم الأمر  بغلبة الطابع الفردي أو حتى القبلي الانتقامي، بالاضافة لاعتمادة على موازين القوة بين الخصوم. ثم استمر التطور مرورًا بالعديد من المراحل وصولًا إلى إقرار مبدأ المساواة في الخضوع للقوانين، ثم تطوير تفسير الجريمة والعقاب وعدم فصلهما عن سياقاتهما الاجتماعية والنفسية، ليبدأ البعد الإنساني في الحضور وبقوة في عملية التطور هذه، ليتخطى الأمر في بعض الدول في عالمنا الحاضر مجرد مفهوم العقوبة إلى مفهوم إعادة تأهيل المجرمين أثناء قضاء عقوبتهم المقررة، وهو ما أحب أن أسميه بأنسنة العدالة عوضًا عن جعلها آلية انتقامية.

قد يرى البعض أن ترحيل مرتكبي جرائم العنف من اللاجئين يمكن أن تكون فكرة عادية كعقوبة لمجموعة من “الشباب الذين لم يقدروا الفرصة التي أتيحت لهم بالبقاء في بلد أوروبي ديمقراطي بعد أن جاءوا هربًا من الحروب والقمع في بلدانهم” كما يحب البعض تبرير الأمر، لكن المشكلة هنا تكمن في نقطتين أساسيتين:

الأولى – التمييز:

الفكرة كلها مبنية على أساس عدم المساواة، فهناك نوعين من الناس لدى أصحاب الفكرة ويجب تخصيص قوانين مختلفة لكل منهم رغم كونهم ييعشون على نفس الرقعة من الأرض، الأمر نابع من نظرة تمييزية بين البشر، شيء قد يقودنا مع الوقت لواقع قريب مما كانت عليه الأمور في زمن العبودية.

الثانية – الوصم وخطورته:

وهي مبنية على النقطة السابقة، فليس خفيًا على أحد ما يحظى به اللاجئين اهتمام على الساحة الإعلامية خاصة عندما يكونوا مجرمين، وبتكرار الرسالة الإعلامية متبوعة بإجراءات استثنائية لمعاقبة المجرمين من اللاجئين، سيترسخ لدى الناس صورة ذهنية مفادها الطبيعة الإجرامية لهذه المجموعة من البشر، فارتكابهم للجريمة ليس في معدلاته الطبيعية فهم أعلى المجتمعات بمعدلات ارتكاب الجريمة، الإجرام في جيناتهم لذا يستدعي الأمر اجراءات خارج القانون لمعاقبتهم على بعض الجرائم وإن استدعى الأمر سوف “نستحدث قوانين جديدة من أجل ذلك” كما دعى زيهوفر في آخر تصريحاته بخصوص هذا الأمر.

بعد فترة من الوقت سيستدعي الألماني صورة السارق المخرب المغتصب المعتدي بمجرد أن يذكر أمامة كلمة “لاجئ”.. الأمر دائمًا ينجح بهذه الطريقة، قم بالإلحاح ببث رسالة إعلامية تشبه مجموعة من البشر بالفئران المخربين للمجتمعات الأوروبية وسوف يسكت الجميع عندما يقرر هتلر إحراقهم، أو قم بتسمية مجموعة من الناس بالخرفان في برامج التوك شو وسوف يرقص المجتمع عندما يقوم السيسي بقتل المئات منهم في يوم واحد.

الثالثة – الأمر ليس مضحكًا:

الأمر لم يعد مضحكًا وبالتالي نكتفي بالسخرية من شخص كترامب أو زيهوفر أو أحد أعضاء حزب البديل، الآمر آخذ في الترسخ ويسير في مسار جاد، جميعنا نشاهد وبشكل يومي فيديوهات لإعتداءات عنصرية في أماكن مختلفة من العالم، كل منا له على الأقل قصة مع واحد يطالبه بالعودة إلى حيثما أتى، ولكن قبل ذلك كان هناك ساسة ومؤسسة مسؤولة بدأت الأمر، ولا أعني هنا زيهوفر فقط، بل هناك أيضًا عمدة فرانكفورت أودر رينيه فيلكه ومن بعده مجلس مدينة كوتبوس الذي تطور الأمر معه بالمناداة لترحيل المجرم حتى وإن كان لديه تصريح إقامة.

الرابعة – العقاب وقيم المجتمع: 

يرى بعض المؤرخين والباحثين في مجال تطور تفسير الجريمة والعقاب، بأن المنظومة العقابية تعد بشكل أو بآخر إنعكاس المنظومة القيمية للمجتمعات، فهل ما يمثله زيهوفر وتلاميذه هو ما يريده الألمان كإنعكاس لقيم مجتمعاتهم، هل ما ينادي به زيهوفر وفيلكه ومجلس مدينة كوتبس انعكاس لما يطلق عليه الأصدقاء الألمان ديمقراطيتنا؟ الكلمة التي دائمًا ما سمعتها من بعض السياسيين والمتخصصين في بعض اللقاءات التي حضرتها حيث دائمًا ما يرددون على سبيل المثال جمل كـ “الحفاظ على ديمقراطيتنا.. تهديد ديمقراطيتنا” وهكذا.

سيد زيهوفر هل تعلم ما الذي يمكن أن تؤدي إليه دعواتك الغريبة وتصريحاتك التي لا تملها على مجموعة كاملة من البشر؟ هل ستتحمل المسؤولية عندما تسود مشاعر الكراهية ورفض الآخر بين أبناء المجتمع الألماني؟ هل هذا ماتريده؟ هل ما تريده هو الاعتماد على آلية الوصم؟ كي ترسخ في الذهنية الألمانية أن المهاجرين أو اللاجئين مرتكبي جرائم بطبعهم؟ هل تعلم ماذا يحدث عندما يتنشر الخوف بين الناس من الآخر؟ هل قرأت شيئًا مشابهًا في التاريخ الحديث وتريد تكراره الآن ولكن بشكل هزلي؟ هل تريد إثبات جدارتك في حل المشكلات من خلال إثارة الخوف في نفوس عموم الألمان؟

العالم مليء بالكراهية والحروب والمجاعات وأصبحنا نستقي شعورنا بالأمان من مجرد السماع عن قيمة إنسانية هنا أو تصرف حكيم هناك، سيد زيهوفر توقف فقد أصبحت تخيفني.. في النهاية ما أخشاه هو أن تتعطل آلة الزمن بالسيد زيهوفر في الجزيرة العربية قبل 1000 عام فيعود لنا بفكرة عن قطع اليد أو الرجم، أو يعلق في أوروبا العصور الوسطى فيطالبنا بإحراق المهرطقات والسحرة!

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته، ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع أمل برلين

Photo: EPD – Rolf Zoellner