ديسمبر 4, 2018

جورج كدر يكشف سر “يوم الأربعاء” عند الحماصنة؟

في كل بلد حول العالم، هناك مدينة أو منطقة يكون سكانها موضوع لتأليف النكت والطرائف، كالصعيد في مصر، وسوسة في تونس، كما هو الحال مع أهل مدينة حمص في سورية.. إلا أن ما يبدو غريب هو أن الحماصنة في كثير من الأحيان هم من يؤلفون النكت عن أنفسهم ويتبادلونها بينهم ومع غيرهم!

ولكن ما هي الجذور التاريخية للنكتة الحمصية؟ و لماذا ارتبط يوم الأربعاء تحديداً بهذه المدينة؟  وما مدى صحة المقولات المتداولة حول هذه المواضيع؟ كل هذه الأسئلة وأكثر يجيب عليها ابن حمص جورج كدر في كتابه (أدب النكتة- بحث في جذور النكتة الحمصية). زار كدر مؤخراً برلين وألقى محاضرة عن كتابه، وكان لأمل برلين لقاء معه وفيما يلي ملخص سريع عن ما جاء في المحاضرة واللقاء.

اسم حمص من أسماء الشمس الحسنى!

استعرض كدر أصل اسم حمص فقال: “هناك اشكالية كبيرة لمعرفة حقيقة تسمية مدينة حمص من أين أتت. فهناك من يقول أن أصل الاسم أرامي ومعناه الأرض الليّنة، وهناك من يقول أنه جذر كنعاني بمعنى الخجل من حمرة اللون، وبالأكادية حمش تعني القوة والشدة، وبرأيي كون مدينة حمص كانت متميزة بديانة الشمس الحمصية فكلمة حمص هي اسم من أسماء الشمس الحسنى، والتي تعكس درجة التحميص- اللون الأحمر- أي لون الغضب أي بشكل أو بآخر يعكس غضب الإله وقوته، والاسم له علاقة بسورية والتي تعني بالسنسكريتي الشمس، وأسماء الشمس حاضرة في المدن السورية، حلب بياض الشمس، شام سمو الشمس.. ألخ. ارتباط حمص مع الشمس له علاقة بديانة الشمس التي كانت منتشرة قبل انتشار المسيحية.

الصحفي والباحث جورج كدر

لماذا يلقبون الحماصنة بالمجانين؟

ينتقل كدر من موضوع الأسماء إلى الألقاب حيث يقول: “الموضوع يرجع إلى أسباب نفسية وهو رغبة الشخص بتصغير الآخر فيطلق عليه لقب يقلل من شأنه، وبالنسبة للألقاب في المدن السورية فالباحث انطون سابا في كتابه (حمصنة) أعاد الموضوع لأيام غزو تيمورلانك لسورية، فلُقبَ الحلبيين بالجرابيع لأنه جدع أنف الذكور فتشوهت أشكالهم، ولقب أهل اللاذقية بالمنافقين لأنهم رفعوا الريات البيضاء ثم انقلبوا عليه، ولقب الدمشقيون بالبناديق لأن تيمور لانك اجتاح المدينة وقتل رجالها وسبا نسائها، أما أهل حمص فالرواية الأكثر شيوعاً أنه عند دخول جيوش تيمورلنك إلى حمص، استقبله الأهالي بالقباقيب وصاروا يقرعوا بالأواني المنزلية ووضعوا على أجسادهم المعالق والشوك ولبسوا في أقدامهم حذاء شتوي في قدم، وصيفي في القدم الأخرى، كي يتظاهروا أن جو المدينة غير مستقر، وأشاعوا أن مياه نهر العاصي تصيب كل من يشربها بلوثة جنون! فقام جيش تيمورلنك بتجاوز مدينة حمص دون قتال لتجنب أن تجن عساكره. ويقال أنه لم يؤذي المدينة تكريماً لخالد بن الوليد المدفون فيها، لإعجاب تيمورلنك به، وهناك مقولة نقلها مسعود خوند بموسوعته عن تاريخ سورية أن تيمورلنك قال عندما مر جيشه بحمص: يا خالد إن حمص هديتي إليك أقدمها من بطل إلى بطل. لكن كل هذه المقولات ليس مؤكدة فالمعلومات التاريخية تقول أن مدينة حمص لم تسلم أيضاً من شرور تيمورلنك.

يوم الأربعاء الحمصي

يتابع كدر ويقول: “كان هناك أعياد ربيع قديمة في حمص التي كانت ترتبط بالخمسانات أي أيام الخميس (خميس النبات– خميس الحلاوة– خميس المشايخ.. إلخ) وقسمت هذه الأعياد إلى أطوار مظلمة وأطوار مشرقة، أي عندما كانت الأرض فوضى وأتى الإله ونظمها. وأحد الخمسانات التي كانت تجري في آذار/ مارس هو خميس المجانين الذي تتوقف فيه مظاهر الجنون بيوم الأربعاء، وتبدأ بعدها عملية الصيام. وذلك كان موجوداً في أعياد الربيع القديمة التي سادت بمدينة حمص، ويوم الأربعاء كان معروفاً أنه يوم شؤم عند الشعوب، ولكن في حمص كان يجسد اختصاراً ليوم العيد الذي كانت تنتهي فيه مظاهر الفرح وتبدأ مظاهر الجدية والعبادة. يعني أن يوم الأربعاء حسب الطقوس والميثولوجيا الدينية ينقلب فيه الكون، حيث تتوقف الفوضى وتبدأ عملية التنظيم. وهذا ما نجده بأعياد سومر وأعياد الأشوريين، وحتى في يومنا هذا نجد أن الناس في الكرنفالات يطلقون النكت ويلبسون ملابس مهرجين وحيوانات وتنتنهي هذه المظاهر يوم الأربعاء.

يذكر أن جورج كدر صحفي وباحث سوري من مدينة حمص له العديد من المؤلفات منها (معجم ألهة العرب قبل الإسلام) وأطلق مبادرة سنة 2009 لإعتبار حمص عاصمة الضحك العالمية.

أمل برلين | إعداد وتقرير – سامر مسوح
Photo: Samer Masouh