Photo: Anas Khabir
14. مايو 2017

القادمون الجدد بين مطرقة الاستغلال وسندان البيروقراطية!

يسعى الكثير من اللاجئين على اختلاف جنسياتهم في ألمانيا إلى العمل بالدرجة الأولى، وذلك لتأمين بعض متطلبات الحياة المتزايدة بالإضافة لما يترتب عليهم من مسؤوليات مادية تجاه عوائلهم في بلدانهم الأصلية أو دول أخرى. هنا تبرز ظاهرة العمل غير الشرعي في السوق السوداء “العمل الأسود”، وذلك لكثرة الصعوبات التي تعيق غالباً العمل بصفة شرعية أبرزها اللغة وشهادات الخبرة التي يحتاجها سوق العمل الألماني، إذ تتطلب بعض التخصصات إجراء تدريب مهني لمدة ثلاث سنوات، بغض النظر عن خبرات وكفاءة الشخص، مما يجبر اللاجئين على العمل بشكل غير شرعي في المطاعم والمقاهي وقطاع البناء….إلخ، بالاضافة إلى أن الكثير من الأفراد يسعون للحصول على عمل أسود لتجنب دفع الضرائب واستمرار مساعداتهم الاجتماعية.

يمنع أي شخص من العمل في الأشهر الثلاث الأولى من تقديمه للجوء، وبعد مضي هذه الفترة يستطيع اللاجئ التسجيل في وكالة العمل الاتحادية والتي تقوم بدورها بتأمين فرص العمل حسب المتاح، فمن الممكن أن يقدم أي شخص على عمل، وتأتي الوظيفية مختلفة كلياً عن اختصاصه، الأمر مرتبط بالشواغر الموجودة في سوق العمل.

الدولة الالمانية تعد الضرائب من أهم مصادر الدخل القومي والتلاعب بها جرم كبير وعقوبته غرامة مالية تبلغ 5 آلاف يورو، والعامل الأجنبي يتم ترحيله على نفقة صاحب العمل، ويمنع من دخول ألمانيا لمدة خمس سنوات، وقد تتسبب هذه المخالفة في تعطيل أوراق لجوء مرتكبها حيث يبقى يعاني من تبعاتها حتى وإن حصل على إقامة.

علي شاب فلسطيني سوري يبلغ من العمر 35 عاما كان يعمل في سوريا بإكساء البيوت وطلائها، وهو الأن يعيش في ألمانيا منذ سنة ونصف، يعاني من قلة السيولة النقدية حيث المعونة الشهرية التي تعطيها له الحكومة الألمانية لا تكفيه، فهو مدخن ولديه عائلة لاجئة في لبنان ويتوجب عليه أن يبعث لهم مبلغ من المال شهرياً، لذلك اضطر للبحث عن عمل بعد وصوله إلى ألمانيا بـ 4 شهور.

تقدم علي للعمل بإحدى شركات البناء، فقامت الشركة باختباره لمدة 3 أيام، وبعد الاختبار أعطوه أوراق وطلبوا منه موافقة الجوب سنتر، لكن الجوب سنتر رفض طلبه لأنه لا يتقن اللغة الألمانية. بعد هذه المحاولة لم يعد لدى علي إلا البحث عن عمل أسود، وتمكن من أخذ ورشة على حسابه الخاص لدى شخص يريد أن يجدد بيته، وكان الاتفاق على مبلغ أقل من سعر السوق، لكن علي مجبر على الموافقة بسبب الحاجة.

بعد أن أنهى علي عمله، لم يعطه ذلك الشخص إلا نصف المبلغ المتفق عليه، ورغم أن ذلك المبلغ أقل من سعر السوق بكثير، لم يتمكن علي من المطالبة بتطبيق الاتفاق، لأنه لا يتقن اللغة الألمانية ولا يوجد لديه عقد مع صاحب المنزل يستطيع من خلاله رفع دعوى أمام القضاء، ومنذ ذلك الوقت توقف علي عن العمل بالأسود لقناعته أنه لن يحصل على الأجر المناسب لعمله دون وجود عقد رسمي وقانوني.

أما أحمد (20 سنة) شاب سوري من سكان مدينة هانوفر، قال إنه بدأ البحث عن عمل بعد وصوله إلى ألمانيا بعام كامل، وتمكن بمساعدة أحد الأصدقاء من الحصول على عمل لدى شركة لتنظيف المكاتب وكان أجره 7 يورو بالساعة الواحدة، والعمل يوميا من الساعة 5 إلى الـ 8 صباحا.

بعد مرور 3 شهور قرر المدير تخفيض أجر أحمد يورو واحد بحجة أن المبلغ الذي يتقاضاه كبير، هنا أحمد قرر ترك العمل بالأسود بسبب الاستغلال والمعاملة السيئة التي تلقاها من الشركة. والأن تمكن أحمد من الحصول على أوراق الإقامة ويقوم بتعلم اللغة الألمانية، وقال أنه سيسعى بجد لتعلم اللغة بسرعة، وسيبحث عن تدريب مهني يتيح له الحصول على فرصة عمل نظامية.

من جهته عدنان (23 سنة) رفض الإفصاح عن جنسيته، وقال إنه اجتاز كورس اللغة الألمانية وحصل على شهادة B1 بعد سنة ونصف من وصوله ألمانيا، وأصبح يبحث عن عمل لدى الشركات الألمانية، وكان يواجه مشكلة شهادات الخبرة التي تطلبها تلك الشركات، وهو جديد في البلاد وليس لديه هذه الشهادات.

في رحلة بحثه، تقدم عدنان بطلب عمل في محل للوجبات السريعة، ووافقت إدارة المحل عليه بشرط أن يخضع لأسبوع اختبار.. كان العمل من الـ 3 فجراً حتى الـ 12 ظهراَ، حيث يقوم بتحضير وجبات الطعام والمشروبات للزبائن.. وبحسب قوله كان العمل شاق ومجهد جداً، وبعد مرور أسبوع كان جواب الإدارة بعدم الموافقة على استمراره بالعمل، ولم يعطوه أي تعويض مالي عن هذا الأسبوع.. صدم عدنان بقرار الإدارة، فهو عمل بشكل جيد حسب قوله.

ماندي شابة ألمانية تعمل في أحد المتاجر الكبيرة في ضواحي برلين، قالت إن الفرع الذي تعمل به يستغل اللاجئين، وذلك من خلال نظام التدريب “براكتيكوم” حيث يتقدم اللاجئ بطلب تدريب في متجرهم، ويتأمل ذلك القادم الجديد بالحصول على فرصة، لكن بعد مرور شهر أو شهرين يتم الاستغناء عن خدمات هذا اللاجئ، ويتم قبول لاجئ آخر للتدرب وهكذا دواليك. تعتبر ماندي أن مثل هذه الممارسات التي تقوم بها أحياناً مؤسسات كبيرة، يجبر بعض هؤلاء القادمين الجدد على العمل بالأسود لغياب الثقة وعدم وجود فرصة عادلة لهم للعمل بشكل نظامي.

تصوير: أنس خبير