أبريل 1, 2017

قراءة للفيلم الوثائقي “وطني” المصُور في حلب وألمانيا

عرضت رابطة الصحافة الألمانية DJV في برلين، الفيلم الوثائقي الذي رُشح لجائزة الأوسكار “وطني” ويدور حول حكاية عائلة سورية كانت تعيش في حلب وانتقلت مجبرة للعيش في ألمانيا. قصة الوثائقي يعرضها المخرج والمصور الحربي مارسيل ميتيلسيفين من خلال محادثات ووجهات نظر أفراد العائلة، بعد أن رافقهم لسنوات من أجل إعداد الفيلم، هناك في حلب ووصولاً إلى ألمانيا.

يبدأ فيلم “وطني” بمشهد للطفلة فرح تقف عند مدخل مدرستها بإحدى المدن الألمانية، تحاول التحدث مع الأطفال الآخرين، لكن لا أحد يجيبها. تعود إلى بيتها والدموع تسيل على خدها، ثم ينتقل بنا المخرج إلى حلب ليسرد الحكاية من البداية..

تجلس فرح على حافة شرفة طابقهم في بناء هجره معظم سكانه، تراقب والدها “أبو علي” مع عناصر من الجيش السوري الحر، ورغم الدمار وصوت القذائف، تشعر فرح بالأمان لوجود والدها أمام عينيها، رغم الموت المتربص بهم من كل مكان. تقول فرح مخاطبة الكاميرا بعفوية الأطفال إنها لم تعد تخاف على شيء لأنها فقدت كل شيء وعقلها يخبرها بأمور متضاربة.

رغم انعدام أسباب الحياة في تلك الأحياء الحلبية المحاصرة من قبل النظام، كانت فرح وسارة وهيلين وحمودي يفضلون البقاء إلى جانب والدهم ويشعرون بالأمان قربه، بالمقابل يعرف أبو علي جيداً أنه وأطفاله وزوجته هالة يدفعون ثمن حرب عبثية فرضت عليهم.

تتسارع الأحداث، ويختلف ايقاع الزمن بعد اختطاف أبو علي من قبل تنظيم داعش الإرهابي، هنا تقرر هالة الرحيل مع أولادها، قرار يفطر قلبها بقدر ما فطره غياب زوجها، وقبل مغادرة بيتهم للمرة الأخيرة، تلصق فرح ورقة صغيرة على جدار غرفتها، غاب عن المخرج ومصور الفيلم الاقتراب لمعرفة ماذا كتبت الطفلة، أو ربما تعمدا ذلك بهدف اتاحة المجال للمشاهد بتصور ما يشاء.

أثناء مغادرة عائلة أبو علي لمدينتهم حلب، تتأمل هيلين الدمار والشوارع من وراء زجاج السيارة، نظرات تصحبها دموع، ربما على لحظات جميلة عاشتها قبل الحرب، أو هي دموع الحنين لوالدها مجهول المصير، فهم اليوم يغادرون آخر مكان جمعهم به. في اسطنبول، تنتظر العائلة حصولها على وثائق السفر من السفارة الألمانية بعد أن تم قبولهم مع آلاف غيرهم في ألمانيا عبر حصص الأمم المتحدة لإعادة التوطين.

حوارت دافئة وطريفة بين الأطفال، تقول فرح للكاميرا: “أنا أتكلم الفرنسية وأتصور أنها لن تساعدني في التفاهم مع الألمان”، بينما تشرب أم علي قهوة الصباح وهي تضع صورة زوجها أبو علي أمامها، فهي اعتادت أن تشرب معه القهوة قبل أن يذهب لعمله على مدى 20 عاماً، حتى خلال الحرب كانا يشربا القهوة قبل أن يغادر.. تلوح بهاتفها النقال أمام الكاميرا وتقول: “هذا الجوال هو الآن عالمي لأنه يصلني بكل أقرابي في سوريا”.

في العام 2015 وصلت عائلة أبو علي إلى ألمانيا، وتوجهوا لاستلام المنزل الذي خصصته الحكومة لهم.. كل شيء جديد عليها تقول أم علي.. فرح تطل من النافذة على حديقة منزلهم الجديد، وكأن نظراتها تقول للمشاهد “هكذا كنت أنظر من شرفة بيتنا في حلب وأراقب أبي، ترى هل يمكن أن أطل يوماً من هذه النافذة وأراه يلوح لي بيده”.. ربما هذا ما قالته في سرها وربما لا، لكنني شعرت بذلك خلال رؤية العمل.

ضحكات جمهور الفيلم علت خلال مشاهد ذهاب الأطفال إلى المدرسة والتعرف على محيطهم الجديد، لحظات الارتباك تلاشت الآن، بدأت فرح بتكوين الصداقات، وحمودي وهيلين أيضاً.. يبدو أنهم يتعافون في تأثير الحرب المدمر في نفوس من هم بأعمارهم.

وحدها أم علي، ما تزال روحها معلقة ببيتها وزوجها في حلب حيث رأته لآخر مرة.. لذلك في كل صباح تتابع ما يجري في سورية علها تسمع خبراً عنه.. تتفقد صورة لقتيل يشبه زوجها كثيراً، لكنها تقول بثقة: “إنه ليس أبو علي، أعرف زوجي من فتحات أنفه، هذا ليس هو رغم أنه يشبهه كثيراً”. تتابع البحث وتضيف: “ربما لم يكن هذا الرجل أبو علي، لكن من يعرف متى تأتي صورة أبو علي”.

الملفت للانتباه أن أم علي كانت تتابع الصور التي سربها من يعرف بـ “قيصر” المصور الذي هرب من سورية وبجعبته أكثر من 55 ألف صورة لـ 11 ألف ضحية قتلوا على يد قوات الأسد في فروع مخابراته وسجونه المختلفة.. ترى لماذا تبحث أم علي عن صورة زوجها بين ضحايا الأسد رغم أن من خطفه داعش؟ ربما هي أشارة من صانع الفيلم أو من أم علي نفسها، أن داعش هو الأسد والأسد هو داعش، ولا فرق بينهما.

الجدير بالذكر أن مصير أبو علي لا يختلف كثيرا عن مصير “فيكسر الفيلم” الصحفي السوري عبد القادر دهون، الذي كان له الفضل الكبير بتصوير الفيلم في حلب، والمعتقل أيضا من قبل تنظيم داعش منذ سنوات ومصيره مجهول إلى الآن.

أمل برلين | تقرير وتصوير: أنس خبير