Foto: Privat
28/03/2017

صديقي اليساري.. جداً!

لابد من حضور غيفارا وكاسترو ودرويش وباقي الشلة الماركسية والشيوعية (مع احترامي للجميع طبعاً) في أي لقاء يجمعني بصديقي “اليساري جداً”، لابد من الحديث في كل مرة عن النظرية الاشتراكية والشيوعية والفكر اليساري ومدى الغبن الذي تعيشه البشرية، في ظل عالم رأسمالي مادي خالٍ من المشاعر والأحاسيس..

يبدأ الكلام ببكائية شعرية لشاعر يساري الهوى، بينما نجلس بانتظار القهوة في “كافيه” رأسمالي بامتياز! تُحضر النادلة اللطيفة فنجاني “أسيبريسو” وُضعت مع كل واحد منهما قطعة بسكويت رأسمالية شهية، وعلى رائحة البن البرازيلي المعتق، تتفتح قريحة صديقي اليساري جداً ويجود أكثر فأكثر بما يعرفه من أبيات شعرية أصبحت أحفظها عن ظهر قلب لكثرة ما رددها على مسامعي.

يُخرج من جيب معطفه الجلدي الإيطالي الرأسمالي الأنيق علبة السجائر الرأسمالية الفاخرة، يمتشق سيجارة ويشعلها بلهيب ولاعته البرجوازية الثمينة المطلية بالذهب عيار 21 ولها رنيناً مميزاً عند الاستخدام، يضع يده على الطاولة ويبدأ بالتربيت فيصدر صوت طرطقة خاتمه الذهبي البرجوازي الرأسمالي النفيس “لا أعرف عياره بصراحة”.. يسحب نفساً عميقاً من سيجارته، ينفث الدخان وكأنه ينفث غيمة.. تحمر عينه “اليسرى” وتكاد تدمع وهو يترحم على الرفيق ماو والمناضل كاسترو والأب القائد ستالين!

يقطع تحسره هذا رنين جواله، فيبحث عنه في كل جيوبه، يلتقطه بلطف يليق بهذا الموبايل الرأسمالي الإمبريالي المتطور “التاتش”، ينظر محاولاً معرفة المتصل، يتردد في الرد، ثم يكتم الرنين ويعود لمتابعة الحديث معي، فهو لا يريد أن تذهب اللحظة والتأثير الذي سببته رائحة البن العذبة دون الاستطراد بالحديث عن اليسار وأهله وسعادة البشرية التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال أحفاد غيفارا وكاسترو ولينين.. وأروح لمين!

أتعرف يا عدو البروليتاريا “هكذا يخاطبني أنا الفقير على باب الله” أصبحنا في عالم كل ما حولنا فيه زائف! حتى النساء من حولنا أصبحن أشبه بالدمى البلاستيكية، طبعاً أنا لا أنتقدهن، إنهن الدينمو الذي يحرك كياني، لكن لا أعرف كيف أوصل هذه المعلومة لعقلك المادي الرأسمالي.. ربما يصح تشبيههن بالفواكه الاستوائية التي تزرع داخل البيوت الزجاجية، يعني لون وشكل بس بدون نكهة، هل سبق لك أن أكلت الخيار البلدي، ثم تناولت بعده الخيار المزروع في البيوت البلاستيكية؟ إنه تشبيه بليغ أظن أن أفكارك النرجسية الرأسمالية لن تساعدك في التصور!.

أنظر إليه بعد أن ينهي كلامه وأتحول في أمره وعيني على قطعة البسكويت في صحن فنجانه، أمد يدي إلى حقيبتي التعيسة وأستل منها سيجارة دون أن أخرج العلبة، فربما أطرد من المقهى إذا رأى رواده النوعية الرديئة التي أدخنها، أبحث عن ولاعتي البلاستيكية بلا جدوى، لابد أنها سقطت من جيبي المثقوب دون أن أشعر.. يسرع صديقي اليساري جداً لإشعال سيجارتي بطريقة بهلوانية ممتعة بولاعته الرأسمالية البرجوازية الإمبريالية وهو يردد مبتسماً: “انظر ما أجمل اليسار والاشتراكية.. ها نحن نتشارك نفس الشعلة!”.