مارس 9, 2017

رفض الحرب في العراق.. فقتلته الشرطة في ألمانيا!

“هربنا من الموت المحتمل إلى الموت المحقق، هذه قصتي باختصار شديد” هكذا بدأت السيدة زمن قاطع حديثها قبل أن أطرح عليها أي من الأسئلة التي أعددتها.. وتابعت: “تركنا العراق في أغسطس 2014، قمنا ببيع منزلنا وسيارتنا وكل ما كنا نملك، خرجنا هاربين فقط بحقيبتين وثلاثة أطفال، فزوجي حسام كان يعمل ضابط برتبة  نقيب لدى الشرطة العراقية، وطلبت منه إحدى الميليشيات المسلحة الإنضمام إليهم، لكنه رفض أن يكون طرفًا في أي صراع يلوث يداه بالدماء، لم يكد حسام يرفض عروض الميليشات إلا وانهالت عليه التهديدات بالقتل، أصبت بالرعب لاحتمال فقدان زوجي، لم أستطع أن أنم خوفًا من أن يقوموا باختطاف احدى فتياتي. هنا فقط قررنا الرحيل، كان قرارًا صعبًا أن نترك عوائلنا وأقاربنا وتاريخنا وماضينا وحاضرنا ونخرج إلى المجهول، نعم خرجنا ولم نكن نعلم أين ستستقر بنا الدنيا، كل ما شغلنا وقتها هو الفرار بحياتنا وحياة أطفالنا.”

رحلت الأسرة من العراق إلى تركيا وبعدها خاضوا نفس تفاصيل المأساة التي يرويها كل الفارين من الحروب والقمع وصولا إلى ألمانيا، وبعد رحلة مضنية استنزفت أموالهم وأرواحهم وعرفوا خلالها معنى التشرد والخوف، استقر بهم المقام في أحد الملاجئ في برلين، والذي هو بالأساس بالون كبير سكنوه ابتداءًا من يوم 9 يونيو 2016.. “عانينا الكثير في حياة المخيم، ولكن كنت كلما شعرت بالضيق نظرت إلى وجه زوجي وأطفالي واستشعرت السعادة لأنهم ما زالوا أحياء”.

حتى كانت ليلة 27 من شهر سبتمبر 2016 بينما كانت تجلس السيدة زمن أمام البالون والأطفال يلعبون قريبًا، فوجئت ببعض الشباب يصطحبون رجلًا باكستاني ومعهم طفلتها وأخبروها بأن الرجل الباكستاني كان يتحرش بطفلتها ذات السبعة أعوام، وأنهم أنقذوها من بين يديه، ألجمت الصدمة لسان الأم، لم تدري ماذا تفعل، هاتفت زوجها كي يأتي، وبينما كان الزوج في طريقه إلى المخيم كان البوليس قد وصل إلى المكان وبدأ التحقيقات مع كل الأطراف. تقول السيدة زمن: “بينما كنت أجلس بالداخل ريثما ينتهي التحقيق، سمعت صوت طلقات نارية، هرعت إلى الخارج لاستكشاف الأمر وجدت زوجي حسام مسجى على الأرض، منعوني من الوصول إليه، ثم جاءت الإسعاف وتم نقله إلى المستشفى، وفي الثانية صباحاَ أبعدوني عن البالون إلى إحدى الصالات الرياضية، هناك عرفت أن زوجي قد فارق الحياة، ثم أخذوني إلى حيث أنا الآن، لاحقاً وصل إلى مسامعي أن زوجي حاول مهاجمة المتهم المتحرش وهو بطريقه إلى سيارة الشرطة، فأطلق عناصر البوليس النار عليه فأردوه قتيلاً”.

بعد هذا الحادث المفجع، لم تعد الحياة كما كانت بالنسبة للسيدة زمن، تغير كل شيء وأصبح عليها أن تتعامل مع كل معطيات الواقع الجديد، كل الأمور جرت بسرعة، لم تستوعب حتى الآن فقدان زوجها، بات عليها تحمل مسؤولية أولادها وحدها ومتابعة شؤونهم الخاصة ومدارسهم، متابعة محامي الطفلة ومحامي الأب، وانتظارها بت المحكمة في قضية لجوءهم، أضف إلى ذلك أن التعامل مع الصغيرة ليس بالسهل خاصة شعورها بالذنب تجاه فقدان أبيها، بل وشعور الأم نفسها بالذنب تجاه كل ما حدث، ولكن برغم كل ذلك لم تفقد السيدة زمن ثقتها في العدالة بأن المتحرش وقتلة زوجها سيتم عقابهم.

خذلت العدالة السيدة زمن، وخاب أملها، فقد أخلي سبيل المتحرش مع مراقبته 20 شهرًا، وأفراد الشرطة الذين أردوا زوجها قتيلاً يمارسون حياتهم بحرية حتى اللحظة، وكان إخلاء سبيل المتهم المتحرش بمثابة صدمة أكبر لها، “الآن المتسبب الأول في كل هذه المأساة حر طليق بدون عقاب رادع حقيقي”.

“أريد العدل، المسألة بالنسبة لي ليست خاصة، فالأمر لا يتعلق بأي رغبة شخصية في الانتقام من المتحرش أو العناصر الذين أطلقوا النار عليه، المسألة إنسانية عامة، أريد أن يسجن المتحرش حتى لا يأتي آخرون ويتحرشون بالأطفال مطمئنين أنهم بموجب القانون لو اعترفوا سيتهاون معهم القاضي ويطلق صراحهم ليجدوا ضحايا آخرين، أريد أن يعاقب الضباط الذين أطلقوا النار على زوجي حتى لا يتكرر ذلك ويصبح اطلاق النار دون وجه حق أمراً طبيعياً، فأنا لا اعتبرها قضيتي وحدي، بل هي قضية كل البشر، لا أريد لطفلة أخرى التحرش ولا أريد لإنسان آخر أن يقتل على يد الشرطة”

مأساة أسرة هربت من الموت لتنقذ الأب من رشاشات الميليشيات المسلحة في العراق، ليغتاله رصاص أفراد الشرطة الألمانية، أسرة يملؤها الشعور بالظلم، نظرًا لأن من تسبب في مأساتهم أحرار يتنعمون، بينما هم يتذوقون يوميًا مرارة الفقد وآثار التجربة الأليمة، لم تتوقف المأساة عند هذا الحد بل هي ممتدة لتشملهم بعدم الإستقرار نتيجة لعدم البت في قرار لجوءهم حتى الآن، إحساس دائم بأنهم يقفون في صف انتظار لا تبدو بدايته من نهايته، شعور بأن كل شيء مؤقت وغير دائم، بأن الحياة نفسها غير مؤكدة. فهل آن الأوان لهذه الأسرة أن تهدأ بالًا؟ هل من إمكانية للنظر إليهم بعين الإنسانية بعيدًا عن قسوة الروتين والإجراءات؟!

“القصة لم تنتهي بعد، فلا زالت السيدة زمن بانتظار العدالة..” هكذا أصرت أن أنهي حواري معها..

* صورة الغلاف من أرشيف زوجة المغدور