المجتمع

نظرة على العلاقات بين “عرب برلين” القدماء والجدد

الأحد 4 نوفمبر 2018

يجيب أحدهم على سؤال لماذا لا تحب فلان بالقول: “المحبة من الله”، ربما لا تعبر هذه الجملة عن طبيعة العلاقة بين عرب برلين من الذين وصلوا ألمانيا قبل عقود، والعرب من القادمين الجدد، حتى أن وكالة الأنباء العالمية رويترز، أعدت تحقيقاً من برلين للحديث عن ظاهرة العداء بينهما!، فما هي أسباب هذا التباعد بين هؤلاء الذين تجمعهم الكثير من الأشياء، وأحياناً ينحدرون من نفس البلاد، وربما الحي؟

معاناة القدامى

يقول (أ.ر) لبناني من أصل فلسطيني، جاء إلى ألمانيا عام 1997: “لقد عانينا كثيرًا عندما جئنا إلى هنا، معظمنا جاء بشكل غير قانوني، وكانوا يعتبروننا مهاجرين غير شرعيين، وكنا نقدم أوراقنا ونظل على قائمة الانتظار حتى تبت المحكمة في أمرنا، وننتظر سنين طويلة لحين تلقي رد، في ذلك الوقت لم تكن الدولة الألمانية تهتم بتعليمنا اللغة الألمانية، وكنا طوال الوقت نطالب بإرسالنا لتعلم اللغة لأن دورات اللغة مكلفة جدًا، ودائمًا كان الرد يأتي بالرفض، حالات استثنائية فقط من حصلت على حق تعلم اللغة، لذلك حرمنا من تصريح عمل، ولم يكن لدينا الحق للالتحاق بمدارس التدريب المهني، لم نكن نحصل على معونة شهرية، بل فقط 40 مارك شهريا، بالإضافة لكوبونات طعام والملابس”.

ويضيف (أ.ر): “أما المسكن، فلم يكن من السهل حصولنا على شقة نتيجة للمشكلات السابقة، هناك أطفال شبوا في مراكز الإيواء. أنا على سبيل المثال لم أحصل على تصريح العمل إلا بعد حصولي على الإقامة عام 2006، ولم يتم السماح لي بحضور فصول الاندماج إلى عام 2016، أي بعد مرور 20 عام على وصولي ألمانيا، على الجانب الآخر ورغم ارتباك الدولة الألمانية جراء مجيء أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين عام 2015، إلا أن التعامل معهم كان أفضل بكثير مما حدث معنا”.

تفهم من القادمين الجدد

ملهم النصر

ملهم نصر سوري جاء إلى المانيا عام 2015 ويعمل كمطور مواقع، يعبر عن تفهمه لغضب المهاجرين القدامى وشعورهم بعدم المساواة.. “أتفهم ذلك فعندما جئت إلى هنا أرسلوني مباشرة لمدرسة اللغة الألمانية، وأعطوني معونة مالية واستطعت الحصول على شقة بسهولة، وحصلت على تصريح للعمل، أنا لا أعرف الكثير عن قوانين اللجوء والهجرة حين جاء المهاجرين في التسيعينيات، لأنه حتى الآن من يريدون البقاء بغير صيغة اللجوء يعانون كثيرًا، كما أنه علينا أيضًا أن نأخذ في الحسبان ظروف الحرب الطارئة التي دفعتنا للمجيء، فهل من جاء في الماضي كان لديه نفس الظرف الطارئ أم جاء لأسباب أخرى. ولكن شكوى القدامى تعني أنه كان هناك تقصير من الحكومة وربما هذا

هو السبب وراء محاولة المسؤولين تدارك هذا الخطأة وعدم تكراره مع من جاء حديثاً”.

ماذا قدمت الدولة الألمانية للجدد ولم تقدمه للقدامى؟

بشار الرفاعي

يقول (أ.ر): “قدموا لهم المنح الدراسية وكورسات الاندماج، وما حدث في النهاية أن الغالبية العظمى لم يندمجوا، ولو كانوا قدموا لنا كل هذه الفرصة في الماضي لكنا في حال أفضل كثيرًا”. أما بشار الرفاعي سوري جاء إلى ألمانيا أيضًا عام 2015 والذي كان يعمل في إحدى المنظمات المعنية بشؤون اللاجئين، فيرى أنه: “هناك نسبة كبيرة من القادمين الجدد لا يعملون ولا يستفيدون من المميزات التي تمنحها لهم الدولة”، ويستطرد بأن هذا ليس مبرر لتقاعس المهاجرين القدامى عن مساعدة القادمين الجدد، فمن خلال عمله لاحظ أن أعداد السوريين المتطوعين لمساعدة القادمين الجدد في مراكز استقبال ومساكن اللاجئين قليلة جدًا، ففي أحد أكبر المخيمات في برلين كان هناك 3 متطوعين سوريين من المهاجرين القدامى، من أصل 300 متطوع أغلبهم ألمان، ويُرجِع بشار السبب إلى أن المهاجرين القدامى: “بيستعروا منا نحن القادمين الجدد!” حسب وصفه.

لماذا لم يحظى المهاجرين سابقاً بنفس الاهتمام؟

ترى إليزابيث شولتس والتي تعمل في منظمة rundumkotti أن السبب قد يعود للسياقات السياسية والدولية لما يعرف بـ “موجة اللجوء إلى ألمانيا”، والتي تحولت ابتداءًا من عام 2015 إلى شأن عالمي، كما أن وسائل الإعلام لعبت دور في إظهار الأوضاع في البلدان التي أتى منها اللاجئين خاصة سوريا، فرؤية ما تمخضت عنه الحرب هناك أثارت موجة كبيرة من التعاطف حول العالم، كما ترجع شولتس أحد الأسباب إلى اعتقاد الحكومة الألمانية في الماضي أن القادمين إليها لن يستمروا بالعيش فيها، لكن ما حدث أنهم “استمروا وناضلوا لإيجاد عمل وأسسوا أسر، وقد يكون هذا هو الدرس الذي تعلمته الحكومة الألمانية للاستفادة في التعامل مع القادمين الجدد، لذلك ربما يحاولوا الآن تدارك أخطائهم قبل 20 عامًا”.

كيف يرى أحدنا الآخر؟

“الجدد يرون كل القدامى على أنهم تجار مخدرات ويعملون (بالأسود)، وهذا تصور خاطئ فلسنا جميعًا هكذا، فنحن اجتهدنا رغم صعوبة الظروف وقتها، ورغم أن الدولة لم تقدم لنا ما تقدمه الآن للقادمين الجدد”.. هكذا عبر (أ.ر) عما يحزنه فيما يتناقله الجدد عنهم من أقاويل، وهو ما أنكره ملهم مؤكدًا أنه لا يرى القدامى كذلك، فكل أطياف الناس بينها الطيب والسيء والمجرم والصالح. أما إليزابيث فقد عبرت عن دهشتها عندما لاحظت من خلال عملها في عدة مدارس أن بعض أبناء القادمين الجدد لديهم شكوى من بعض أبناء المهاجرين القدامى الذين يقولون لهم أنتم حصلتم على كل شيء.. “هذا غريب على أطفال يتحدثون نفس اللغة ولديهم نفس الخلفية الثقافية، لكنني أظن أن الأطفال يتأثروا بما يقوله الآباء في بيوتهم”.

وحول رؤية القدامى للجدد، يقول (أ.ر): “يظن القادمون الجدد أننا نكرههم، لا، نحن لا نكرههم، ولکن أنا كفلسطيني من لبنان لدي مرارة أن الكثير من اللاجئين السوريين كانوا مؤيدين لنظام الأسد الذي يتحمل مسؤولية إيذاء الكثير من الفلسطينيين في لبنان، بالإضافة إلى أنه لا يعجبنا ما يفعله بعضهم من ارتكاب جرائم تتناولها الأخبار بشكل يومي، كما أن الكثير منهم يأخذون النقود من الجوب سنتر ويعملون -بالأسود- ويشترون السيارات، وهو ما يُشعِر المواطن الألماني دافع الضرائب بالغضب، وهذا الغضب ستنعكس نتائجه علينا جميعًا قدامى وجدد”.

أما بشار فيرى أن التعميم في الحالتين شيء خاطئ: “البعض من القدامى يعملون بدون تصريح ويحصلون على المال في نفس الوقت من الجوب سنتر، وفي برلين إذا أراد أحدهم ورقة مرضية سيذهب إلى طبيب عربي، وإذا أراد أن يعمل بدون تصريح سيذهب إلى محل دونر تركي أو عربي، ونفس الشيء ينطبق على القادمين الجدد، فمنهم من ثبت بحقه التحرش، ومنهم من لا يريد الاندماج أو العمل أو تعلم اللغة، لكن بالمقابل ستجدي من كلا الطرفين أطباء ناجحين ومحاسبين شرفاء وتجار يلتزمون بالقوانين وشباب من الجدد يتعلم اللغة ويعمل”. وهذا ما اعتبره (أ.ر) سببًا لرفضه ترحيل القادمين الجدد بذنب من يقوموا بخرق القانون، فالكثير من الشباب الجدد يندمج ويدرس ويحاول بدء حياة جديدة.

أمل برلين | إعداد وتقرير – أسماء يوسف
Photo: Anas Khabir