المجتمع

حكاية السورية حليمة وبناتها

الأربعاء 7 نوفمبر 2018

“في الثامن من مارس وفي اليوم العالمي للمرأة من العام 2016 كنت أقف في المحطة في انتظارهن، توقف القطار وخرجت الأم السيدة/ حليمة وحولها صغيراتها الثلاث ريم ورنا وريهام، كان يظهر على وجوههن الخوف الشديد ولم أعرف السبب، اصطحبتهن إلى البيت، لم أدر ماذا أفعل، كيف يمكنني الحديث معهن وهن خائفات مني هكذا، ذهبنا جميعًا إلى المطبخ وأريتهم كل شيء، حاولت أن ألفظ بعض الكلمات العربية مثل “أهلًا وسهلًا” و”شاي”، ثم خطرت لي فكرة بأن أحضر لهم إحدى ألعاب إبني كي يحظون ببعض المرح، ذهبت للأعلى وأحضرت لعبة “الليجو” وأعطيتها لهن، وهنا بدأت المعجزة، رحن يبنين مدينة، بدأن في البناء ولم يتوقفن فمن بيت إلى بيت إلى مدرسة حتى أكملن بناء مدينة كاملة، هنا أدركت أنه برغم كل ما تركن خلفهن من دمار في سوريا فهن يريدن أن يبنين بديلًا له هنا في ألمانيا..” هنا بكى دانيال وطالب بإيقاف التسجيل ومنحه بعض الوقت.

الوصول

عندما دلفت مع المصورة إلى حديقة منزل دانيال دومشايت بيرج حيث يفترض أن أقابل السيدة وفتياتها، وجدتها جالسة في طرف الحديقة مع مجموعة من السيدات الألمانيات، يبدو أنه اجتماع ما، سيدة أربعينية تتحدث بينما تستمع إليها بقية السيدات، انتهين من الحديث ووقفن لمصافحتها بطريقة تظهر احترامهن لها، جاءت إلي مرحبة، إنها السيدة/ حليمة مخلوطة، التي كانت تعيش في حلب في سوريا متزوجة ولديها ثلاث فتيات، كانت تعيش في قريتها الصغيرة تساعد زوجها في أعمال الحقل، بالكاد تستطيع الكتابة والقراءة بالعربية فقد غادرت المدرسة عندما كانت بالصف الرابع، تقول: “زوجي سبقنا في عام 2014 إلى ألمانيا، وكنت أرفض الرحيل برغم الحرب، حتى بدأ الضرب والانفجارات تقترب منا وبدأنا نرى جيراننا يموتون أمامنا، كنا نهرب إلى الحقول للاختباء حتى لم يعد هناك مكان نختبئ به، كنت أرفض المجيء إلى ألمانيا فكنت أسمع أنا وبناتي أن الرجال الألمان سيئون، وكان هذا هو السبب وراء خوفنا عندما خرجنا من القطار في فورستنبيرج”.

ليسوا أشرار.. وعضوة البوندستاج تغزل الكنزات

أصر زوج حليمة على أن تترك زوجته وبناته سوريا خوفًا عليهن، وبالفعل غادرن إلى تركيا في أواخر 2015، ثم استطاع الزوج بمساعدة سيدة ألمانية إتمام إجراءات لم الشمل ووصلوا ألمانيا يوم 3 مارس 2016، أقامت الأم وبناتها مع زوجها في غرفته في المخيم في هينجسدورف ولكن بشكل غير قانوني، تقول حليمة: “أقمنا مع  زوجي لمدة 5 أيام مختبئين خائفين من اكتشاف عمال الأمن لوجودنا ومن ثم طردنا، حتى جاءت معلمة زوجي وأخبرتنا بأنها تعرف رجلًا في فورستنبيرج إسمه دانيال وزوجته اسمها أنكا لديهما بيت كبير يستضيفان فيه القادمين الجدد الذين ليس لديهم مسكن لحين حصولهم على مسكن، وبالفعل أخبرتنا المعلمة بقبول دانيال وزوجته استضافتنا وكان المتوقع أن نبقى عندهم 15 يوم، جئت وبناتي وحدنا بالقطار وجدنا دانيال في انتظارنا، لقد استقبلونا وكأننا أقرباء لهم، فوجئنا بأن دانيال وأنكا ليسوا مثل الرجال الذين كنا نسمع عنهم عندما كنا في سوريا، فهو يبتسم لنا ويعاملنا بشكل جيد ومنحنا وزوجته الطابق الأعلى من المنزل كي نعيش فيه جميعًا، وأنكا برغم كل مسؤولياتها كسياسية كانت تلعب مع الفتيات، بل وكانت تغزل لهن الجوارب والكنزات والوشائح والتنورات الصوفية”.

حليمة.. لكنها قوية

لم تكن الأمور سهلة بالنسبة لحليمة، فما لبثت أن استقرت في منزل أنكا ودانيال حتى بدأت المشاكل تظهر بينها وبين زوجها إلى الحد الذي كان عليهما الافتراق، لتصبح هي المسؤولة عن نفسها وفتياتها، كان عليها أن تدبر لهن أمورهن وأن تذهب هي إلى المدرسة لتعلم اللغة الألمانية وهو أمر بالنسبة لها يحتاج إلى الوقت والمجهود، تقول حليمة: “فأنا لا أعرف إلا الحروف العربية ولم أتعلم الحروف الإنجليزية في حياتي من قبل”، بدأت حليمة في تعلم اللغة بالإضافة إلى تسيير شئون حياتها وحياة فتياتها، لنجد أنفسنا أمام امرأة ذات إرادة، فمن امرأة ريفية بسيطة تساعد زوجها في الحقل إلى امرأة تأخذ فتياتها جيئة وذهابًا في إحدى المدن الألمانية، ومن امرأة لا تعرف شكل الأحرف الإنجليزية إلى سيدة تتحدث الألمانية بحصيلة ليست الكبيرة من الكلمات فقد انتهت لتوها من مستوى B1 فملامحها وطريقة حديثها لها من إسمها نصيب كبير، فهي هادئة وصوتها منخفض ومبتسمة دائمًا، لكن تصرفاتها وطريقتها في إدارة حياتها تؤكد لك بأنها ليست امرأة بسيطة أو عادية.

الخارقات الثلاثة!

نشر هذا المقال ضمن اطار مشروع wir sind viele أحد مشاريع منظمة WIR MACHEN DAS ونشرت لأول مرة على موقع Zeit online يوم 31 أكتوبر  10nach8 ZEIT Online.

Der Text und die Fotos sind im Rahmen des Wir-machen-das-Tandemprojekts www.wirmachendas.jetzt) “Wir sind Viele. Geschichten aus der Einwanderungsgesellschaft” entstanden.

Gefördert von der Beauftragten der Bundesregierung für Migration, Flüchtlinge und Integration.

يبدو أن الفتاة لأمها كما تقول الأمثال العربية، فالفتيات الثلاث يتحدثن الألمانية ومتفوقات في المدرسة، تقول حليمة: “لقد أحببن اللغة منذ البداية، فعندما كنا نسكن عند أنكا ودانيال كانت السيدة وزوجها يلعبان معهن ويعلماهن اللغة فبدأن التحدث بالألمانية حتى قبل الذهاب إلى المدرسة، هن نابهات وعندما أذهب إلى اجتماع أولياء الأمور بالمدرسة يثني المعلمين والمعلمات عليهن وعلى أخلاقهن”. ويعبر دانيال عن انبهاره بهن قائلًا: “هن معجزة، أنا منبهر فقد تعلمن اللغة بسرعة جدًا، بل ويكبرن بسرعة أيضًا”. ليس هذا فحسب فالفتيات الثلاث يلعبن الأيكيدو، الفتاة الوسطى رنا 10 سنوات وبالصف الثاني تشرح سبب التحاقها بصفوف الأيكيدو قائلة: “قررت تعلم الأيكيدو لكي أدافع عن نفسي إذا ضربني أحد، أنا أريد أن يعرف الألمان أنني بطلة ولا أخاف ويمكنني الدفاع عن نفسي وعن الآخرين، وبأنني أحب الدفاع عن المظلومين”. والصغرى ريهام 7 سنين بالصف الأول فتريد أن تصبح شرطية وتحضر تدريبات الأيكيدو مع شقيتاها، أما الكبرى رنا 12 سنة وبالصف الرابع تلعب الأيكيدو بالإضافة لكرة اليد، وحول رغبتها في العمل في المستقبل تقول ريم: “أريد  أن أصبح مدرسة تربية رياضية، قد يحدث وأغير رأيي لأنني أحب مادة الرياضيات وأحصل على علامة 1”.

الإندماج على طريقة الثلاثة “راءات”!

تتمتع حليمة وفتياتها بحب أهل القرية، فالجميع ينتظر فقط أن تطلب منهم حليمة شيء ما، كما يحبون فتياتها كثيرًا، ويرجع دانيال كل ذلك إلى الفتيات ويستمر في التعبير عن انبهاره بذكائهن قائلًا: “هن من قد بدأن اندماجهن في مجتمع القرية، فبعد عدة أيام من إقامتهن في بيتي كن قد تعلمن نطق بعض الجمل بالألمانية، وذات صباح فوجئت بهن يقفن أمام المنزل على الطريق ويقلن لكل المارة وبصوت عالِ: هالو، كيف حالكم” باللغة الألمانية، بدأ أهل القرية يضحكن ويردون عليهن التحية ومن ذلك اليوم بدأن يلفتن انتباه الجميع وبدأن يتحدثن ويتعرفن على أهل القرية وأصبح لديهن ووالدتهن الكثير من الأصدقاء، كما أن السيدة/ حليمة تحظى باحترام أهل القرية وكلهم يعرفونها”.

حليمة استطاعت أن تجد منزل لها ولفتياتها وتعيش به الآن، بل ووجدت عمل أيضًا في أحد فنادق القرية، ولكن الفتيات شأنهن شأن الكثير من أطفال القرية يحببن الذهاب لبيت أنكا ودانيال من أجل الاستمتاع بالألعاب الموجودة في حديقة المنزل، فبسؤال الفتيات إن كن يرغبن في العودة إلى سوريا حال انتهاء الحرب، أجبن بسرعة: “سنظل هنا لأنه لدينا دانيال وأنكا والترامبولين والأرجوحات في الحديقة”.

© Heike Steinweg

© Heike Steinweg

© Heike Steinweg

© Heike Steinweg

© Heike Steinweg

© Heike Steinweg

© Heike Steinweg

© Heike Steinweg

أمل برلين | تقرير وإعداد: أسماء يوسف
Photos credit goes to: Heike Steinweg