المجتمع

إعادة الاندماج بين المعايير “الإنسانية” والسياسية!

السبت 22 سبتمبر 2018

“إعادة الاندماج” تعبير جديد له وجهان مختلفان في المعنى والمقصد، أحدهما يتبناه نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، والآخر تعتمده الدولة الألمانية. وفي محاولة للوقوف على ما يمكن أن يعنيه التعبير الجديد قامت منظمة Interkular بتنظيم مؤتمر على مدار يومي 18 و19 أيلول / سبتمبر تحت عنوان (RE integration Zusammendenken) حضره ممثلين عن الحكومة الألمانية ونشطاء أفارقة وألمان وعاملين في بعض برامج تقديم المشورة للعائدين.

إعادة الاندماج خارج ألمانيا

اعتمدت وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الاتحادية الألمانية BMZ برنامجًا للتعاون التنموي مع بعض الدول في نفس الوقت الذي أطلقت فيه الوزارة مشروعًا يسمى Prespektive Heimat يستهدف مساعدة العائدين إلى أوطانهم على بدء حياة جديدة هناك، يضم البرنامج 14 دولة على رأسها مصر وتونس والمغرب والسنغال. وحول الرابط بين كلاهما قالت نائب رئيس قسم العودة وإعادة الإندماج في الوزارة مويرا فايل، بأن كل من البرنامج التعاوني ومشروع العودة مرتبطين، فلديها أنه من أجل عودة ناجحة لابد من التعاون مع الدول النامية لتقديم الدعم المادي لأولئك الذين يريدون العودة إلى بلدانهم، كما أكدت فايل على مفهوم الاستدامة فيما يتعلق بإعادة إدماج العائدين في أوطانهم، حيث تقوم منظمات تابعة لمشروع Prespektive Heimat في ألمانيا بتقديم المشورة لمن يريدون العودة وبتعريفهم بالمنظمات التي تقوم على تنفيذ المشروع في بلدان المنشأ بالإضافة لمحاولة تقديم النصيحة فيما يخص بالمجال الذي يطمحون للعمل به بعد عودتهم.

إعادة الاندماج داخل ألمانيا

على الجانب المقابل تمامًا للرؤية الرسمية للدولة لإعادة الاندماج، هناك رؤية حقوقية يتبناها بعض الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني، وتتمثل في تقديم المشورة لأولئك الذين لم يستطيعوا أن يكونوا رؤية في ألمانيا على بلورة خطة لهم هنا من خلال مساعدتهم للاندماج في سوق العمل والحصول على مسكن وتعلم اللغة وغيرها من الأمور، فهو الاتجاه المعكوس تمامًا لاتجاه الدولة، وهو ما تفعله منظمة Interkular والمنظمة للمؤتمر في نفس الوقت، تقول نينا فارنيكا مؤسسة المنظمة: “رأينا كيف كان بعض اللاجئين خاصة الأفغان متحمسين لبدء حياة جديدة في ألمانيا ولديهم الرغبة في أن يفهموا النظام كما أرادوا العمل وتعلم اللغة ليصبحوا جزء من المجتمع، وكانوا حريصين جدًا على عمل ذلك، لكن ما حدث في الواقع أنه كان عليهم أن ينتظروا وينتظروا حتى يتم البت في قرار اللجوء الخاص بهم، ينتظروا لسنوات في المخيمات حتى يمكنهم الحصول على منزل، ثم الانتظار طويلًا لحين الحصول على إذن من الحكومة ليبدأوا فصول اللغة، ثم أصيبوا بالإحباط والاكتئاب وجاءوا إلينا العام الماضي وقالوا نريد العودة فليس لديا فرصة هنا، من هنا جاءت فكرتنا عن -إعادة الاندماج- بمعنى التأكد إن كانوا فعلًا يريد العودة أم أنهم لم يستطعوا العيش هنا لأسباب خارجة عن إرادتهم وفي هذه الحالة نقدم المشورة لنساعدهم على بناء رؤية لمستقبلهم في ألمانيا كي يجدوا طريقهم مرة أخرى بدلًا من العودة، وبالتالي برنامجنا لإعادة الاندماج مختلف تمامًا عن برنامج الوزارة، بل إننا نرى أن برنامج الوزارة غير صحيح وأنه عليهم إعادة التكفير فيه مرة أخرى”.

العودة الطوعية بين الوهم والحقيقة

وحول ما إذا كان البرنامج الحكومي الألماني لإعادة الاندماج يستهدف العائدين طواعية أم المجبرين على العودة أكد محمد ضاحي من مشروع Strat hope at home التابع لبرنامج Prespektive Heimat الذي تموله وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن البرنامج يستهدف فقط العائدين طواعية وهو ما أكدته مويرا فايل، وأما بخصوص كيفية التأكد من كون العودة طوعية من عدمه يقول محمد: “لا نستهدف الذين لديهم الحق في البقاء في ألمانيا ولا أولئك الذين لديهم خطة ورؤية للحياة في ألمانيا، يأتي إلينا فقط أولئك الذين لم يستطيعوا أن يكونوا رؤية أو يضعوا خطة للحياة هنا”. كما أضاف بأن العائدين طواعية يأتون إليهم بناء على توصية من بعض المؤسسات من بينها مكتب الدولة لشئون اللاجئين LAF والصليب الأحمر.

على الجانب الآخر يرى بعض المشاركين أن العودة غير طوعية، “فلماذا يريد البعض العودة؟ لماذا لم يستطيعوا بدء حياة حقيقية هنا؟ هل هي أسباب لها علاقة بالتمييز وانعدام الفرص وعدم القدرة على تأهيلهم؟” هكذا تساءلت فاتيما إدريس من جمعية تضامن المجلس المصري متعدد الثقافات للاجئين. أما الناشط الحقوقي الحسن ديكو من منظمة AEI من مالي قال: “اللاجئين لم يصلوا بعد، الوصول بمعنى البقاء في البلد وإيجاد رؤية وخطة حياة يحتاج إلى سنوات، فقط جاءوا منذ 5 سنوات على أكثر تقدير ومنذ مجيئهم وهم في مخيمات”، وهو ما يتفق معه شتيفان دونفالد من مجلس اللاجئين في بايرن، ما دعا ممثلة الحكومة مويرا فايل بالرد بأن المخيمات ليست معزولة عن المجتمع حيث بإمكان اللاجئين الخروج والاختلاط وعودتهم طوعية، ليضيف ديكو: “بالطبع لا أحد يقول لهم عودوا إلى بلدانكم لكن يضعون أمامهم العراقيل فمنذ جلسة التحقيق الأولى يضعون خيار العودة، كيف تُعرَض العودة على أناس بالكاد لمست أقدامهم أرض جديدة؟ كيف تُعرَض العودة إلى مناطق مليئة بالتفجيرات والإرهابيين والكوارث والفقر”.

نقص المعلومات عن بلدان المنشأ

أما المخرجة ميريام فاسبيندر عبرت عن رفضها لإعادة الاندماج، قائلة: “لا تتناسب مع فكرتي عما يجب أن تكون عليه العدالة في العالم، كما أنني مندهشة كيف يمكننا كألمان أن نعطي للقادمين الجدد نصائح عن إعادة توطينهم في بلدان لا نعرف عنها شيئًا سوى أنهت تعج بالاضطرابات والأوضاع الاقتصادية غير المستقرة. كل ما يمكننا عمله هو مساعدتهم ونصحهم حول طرق العثور على وظيفة أو منزل هنا في ألمانيا، يمكننا أن نقدم لهم المشورة للتعامل مع البيروقراطية الألمانية، لكن لا يمكننا أن نقول شيئ عن تنظيم حياتهم بعد العودة إلى أفغانستان أو إيران، لو كانوا وجدوا فرص جيدة للاندماج في المجتمع بعيدًا عن الهياكل المؤسسية العنصرية هنا لما كنا نتحدث عن إعادة الاندماج ولا عن العودة الآن، وعلينا نحن الأوربيون أن نقف في وجه مثل هذه السياسات”.

العودة حرية تنقل أم ترحيل قسري؟

شهد المؤتمر نقاشًا جادًا حول ما سيترتب على هذه العودة من حرمان العائدين من حرية التنقل، لكن لم يكن هناك إجابات واضحة من جانب ممثلي الحكومة سوى أن البرنامج للعائدين طوعًا، كما نفت نينا فارنيكا إمكانية أن نسمي العودة خيار عندما يتم تخيير الناس بين الترحيل القسري أو العودة طوعيًا. واعتبرت ميريام فاسبيندر العودة ضد الحق الإنساني في التنقل قائلة: “عندما تكون الحدود مغلقة وتنقطع وسائل العودة إلى ألمانيا فهذا ليس تنقل وليست حرية في التنقل، حيث في الغالب سيحرمون من العودة لمدة 5 سنوات، هذا ترحيل قسري”. وأضاف الحسن ديكو أن معظم من يطلق عليهم مهاجرين أفارقة موجودين داخل القارة الأفريقية نفسها وليس في أوروبا، ولكن هذه التسمية جاءت نتيجة خلق مفهوم الحدود ومن ثم الهجرة بين الدول الأفريقية من قبل أوروبا في الماضي، كان هناك انتقال من دول لأخرى بحثًا عن العمل أما الآن يسمونها لجوء وهجرة، فما فعلته أوروبا أنها لم تترك الأفارقة يتنقلوا بحرية داخل أفريقيا ولا تريد السماح لهم بالبقاء في أوروبا”.

إعادة التوطين بين الإنسانية واللا إنسانية

رغم الخلاف الجذري بوجهات النظر بين المشتركين في المؤتمر إلا أن جميعهم أثنوا عليه من حيث تمثيله لمختلف التوجهات والآراء، فمازال أنصار الفكرة يرون أنه حل إنساني نبيل للعائدين ممن لم تقبل طلبات لجوئهم أو الراغبين في العودة كي يستطيعوا بدء حياة جديدة هناك، بينما يرى البعض هذه الخطوة باعتبارها “تراجع عن القيم الإنسانية، فكيف سيتم إرسال الناس إلى حيث هربوا سابقًا من القمع والفقر”، بحسب معظم المشاركين من النشطاء.

ظل التساؤل الرئيسي والأكبر خلال جلسات المؤتمر هو: حتى لو تطوع الناس للعودة كيف سيتم تركهم يعودوا إلى أماكن مازالت غير آمنة تنتهك فيها حقوق الإنسان على أحسن تقدير؟ وكيف ستقوم الحكومات الأوروبية بإرسال الأموال إلى حكومات الديكتاتوريات؟ وهي أسئلة أجابت عليها ممثلة الحكومة بأن هناك برنامج وخطة لدى الحكومة، كما سيتم التنسيق مع منظمات تعمل في تلك الدول لمتابعة العائدين وتقديم العون لهم، لكنها لم تذكر أية تفاصيل حول آلية ذلك.

أمل برلين | إعداد وتقرير: أسماء يوسف
Photo: Asma Yousuf