المجتمع

أول شيشة نسائية.. عودة لزمن الحريم أم حق في الخصوصية؟

الجمعة 14 سبتمبر 2018

حوائط من المخمل المحشو باللون الأحمر القاني، ستائر من المخمل الأزرق الملكي تمتد من السقف وحتى الأرض لتغطية النوافذ، فتعزل الرؤية تمامًا ما بين الداخل والخارج، مدخل مغلق بستائر مخملية زهرية، بقية الحوائط مغطاة بستائر من الشيفون بألوان هادئة، فتيات محجبات، عربيات وغير عربيات، وأخريات شقراوات في أوائل العشرينيات يجلسن على أرائك طويلة من المخمل الأحمر القاني، والمقاعد مخملية أيضًا باللون الأخضر الزيتوني الغامق.. هذا هو أول ما رأيته لدى دخولي أول مقهى شيشة للسيدات في ألمانيا، والواقع في حي كرويستبيرج في أوربان شتراسة.

خصوصية وراحة؟

لأول وهلة شعرت بأنه هناك قدر كبير من الخصوصية والراحة، فرغم ثقل المكان إلا أنه تشكل لدي انطباع أولي بأنني في المنزل، ويؤكد مالك القهوة محمد أرميا بأن هذا الشعور هو ما دفعه إلى إنشاء مقهى شيشة خاص بالنساء قائلًا: “لدي ابنة عم جميلة لطالما اشتكت من الجلوس في مقاهي الرجال ونظراتهم لها، مما عزز لدي فكرة إنشاء مكان خاص ومريح للنساء وشجعتني بقية نساء العائلة”. كما تقول العشرينية فاطمة حول سبب اختيارها للجلوس في هذا المكان: “أشعر بأنني كامرأة مرتاحة أكثر، هنا أستطيع أن أخلع حجابي عندما أريد لأن المكان فقط للنساء ولا يوجد كاميرات في المحل مما يشعرني بالأمان”

بلا رجال؟

لا أهتم كثيرًا لنظرات الرجال ولا يمكن لنظراتهم أو أفكارهم أن تثنيني عن عمل شيء ما أريده، أذهب إلى نادي رياضي مختلط ومقاهي مختلطة ولم ألحظ في الحقيقة أي شيء ضدي منهم في هذه الأماكن، لكن لكل منا خبراته وظروفه، تتذكر فاطمة تجربتها عندما كانت ترتاد مقاهي الشيشة المختلطة، تقول: “هناك ينظر الرجال باستنكار للمرأة المحجبة التي تدخن الشيشة، وكنت عندما أضحك بصوت عالِ ينظرون إلي نظرات غريبة وكأنه غير مسموح لي كامرأة ترتدي الحجاب أن أدخن الشيشة أو أضحك بصوت عالي”. ويضيف مالك المقهى فلسطيني الأصل ذو ال38 عام “الكثير من الرجال يأتون لمحلات الشيشة ليتعرفوا على النساء ويتحدثون إليهن لكن بعض النساء لا يردن ذلك ويشعرن بالحرج بالإضافة إلى لشعورهن بالراحة أكثر عندما يكن مع بعضهن، أن يصبح لديهن مكانهن الأنثوي الذي يستطعن فيه الاستمتاع بالكوكتيل الخاص بهن ويضحكن دونما الاكتراث بنظرات الرجال فهذا شيء جميل”.

عالم الحريم؟

استدعت الأجواء وتصميم المكان إلى ذاكرتي صورة أماكن “الحريم” الآتية من زمن التسلط التام للرجل على المرأة، عندما كانت القادرات من النساء يُمْنَحنَ تعويضًا عن حرياتهن المسلوبة بمجموعة من الستائر الملونة والأحجار الكريمة والألبسة الحريرية والأثاث المخملي مقابل خضوعهن التام للرجل وعدم منافسته في الحياة. أنحن في ألمانيا أم إيران والسعودية؟ ألا تعد مثل هذه القهوة بمثابة تشجيع للرجال الذين يمنعون زوجاتهم من الذهاب إلى أماكن تواجد الرجال؟ يجيب أرميا: “من الأفضل خلق هذه المساحة للسيدات اللائي يمنعهن أزواجهن من الذهاب لأماكن فيها رجال وبالتالي الخروج من المنزل، لكن لم أقم بإنشاء هذا البار من أجل المتزوجين من الرجال الرجعيين كي يرسلوا زوجاتهم ولكن لأساعد في تكوين مجتمع نسائي تشعر فيه المرأة بالراحة، كما أن أغلب اللائي يأتين هنا لسن متزوجات فمعظمهن من 18 إلى 25 سنة وعلى الأغلب لسن مرتبطات أيضًا. في السعودية تجدي مكان واحد يجلس النساء على اليمين والرجال على اليسار ولكن ما قمت به أنا هو زيادة الخيارات المتاحة أمام الزبائن فلدينا مقهى مختلط مجاور ولدينا المخصص للنساء وللناس حرية الاختيار لكن في السعودية يقوم النظام بفرض الفصل بين الجنسين على المقاهي وعلى الناس”.

الذكورة في معقل السيدات؟

النادلات يتحركن بسلاسة وسط ضحكات خافتة وابتسامات مرحة مخترقات الأدخنة برائحة النعناع والفواكه المختلفة، تطالعني شاشة العرض بفيديوهات لمغني الراب الأمريكي Trey Songz والتي تحاول محاكاة نمط حياة المجنون الأمريكي دان بيلزيريان، تجسد صورة الرجل الذي لديه المال والسلطة بينما تتهافت عليه مجموعة من النساء اللائي يحاولن إغرائه بأجسامهن في اختصار لصورة المرأة في ثديين ومؤخرة، كأداة لإمتاع الرجل.. كإمرأة شعرت بالإهانة الشديدة فإن كنت قد هجرت المقاهي التركية لذات السبب وإن كانت زبونات المقهى يأتين هروبًا من عالم مليء بنظرات الذكور فلم عليهن تحمل ذلك في مساحتهن الخاصة؟ يبدو أنني الوحيدة التي تنظر إلى الشاشة ففاطمة تقول: “لم ألحظ ذلك من قبل أنا حتى لا أنظر إلى الشاشة”. أما مالك المقهى فأكد على أنه لم يكن يعرف حيث أنه ممنوع من الدخول إلى مقهى النساء طوال ساعات العمل، كما أكد أن العاملات لا يقصدن هذه النوعية من الفيديوهات فهن يضعن أي أغنية من يوتيوب حتى لا تمل النساء، قائلًا: “لديك كامل الحق فيما قلتِهِ لكننا لم نقم بتشغيل الشاشة إلا منذ ثلاثة أيام وكل شيء جديد كما تعلمين، تم الافتتاح يوم 27 يوليو، أَعِدكِ بالانتباه لهذه النقطة جيدًا ولدينا خطة لتوظيف مسؤولة عن اختيار لائحة الأغاني المناسبة لفكرة المكان، شكرًا للفت النظر فهدفي أن تحظى النساء هنا بالراحة بعيدًا عن أي شعور بالتمييز ضد جنسهن”.

التمييز ضد كل من ليس امرأة؟

حمامات نظيفة رائحتها عطرة بها كل ما يلزم المرأة من أشياء مؤقتة كمثبت للشعر ومزيل للعرق وفوط صحية، لكن ما هذا الحوض البيضاوي القابع في الركن؟ مزهرية كبيرة، مبولة؟ ربما المالك رجل تقدمي مناصر لحقوق المتحولات جنسيًا وقصد تخصيص مكان لهن. لكن أرميا قال: “غير مسموح لدخول الرجال تحت أي ظرف، إذا رأينا رجلًا يرتدي ملابس نسائية سنمنعه من الدخول بغض النظر عن إدراكه لنفسه لأنه يبدو كرجل حتى وإن ارتدى ملابس نسائية، أما إذا كان شكلها امرأة سواء كانت متحولة أو غير متأكدة فليس من حقنا أن نمنعها ولا دخل لنا بحقيقة التكوين الفسيولوجي لها، فليست وظيفتنا فحص الناس، الشكل هنا يلعب دور كبير في الدخول إلى البار فهو مخصص للنساء وللنساء فقط، وأما فيما يتعلق بالمبولة فسوف تزال إذ لم يتم الانتهاء من تجهيز هذا الحمام”. بدا الأمر بالنسبة لي كأنه تمييز ضد كل ما هو ليس نسائي ولكن هناك آراء أخرى، تقول سمر 34 سنة: “أرى أن هذا أمر عادي في برلين فهي مدينة منفتحة تكفل الحريات للجميع، فهناك بارات ومقاهي كثيرة في برلين تقدم خدمتها فقط لنوع محدد من الزبائن فمثلًا ستجدين مقاهي فقط للمثليات وأخرى للمثلين ولن تجدي فيها حمامات نسائية. إحدى أهم سمات برلين هي التنوع والاختلاف وهذا المقهى ما هو إلا تجربة مختلفة عن بقية التجارب”، كما أكدت سيلين 21 سنة وتعمل نادلة بالمقهى بأن الفكرة نفسها ليست بجديدة فهناك العديد من النوادي الرياضية مثلًا للنساء فلم لا يكون هناك مقاهي أيضًا للنساء”.

الدين أم السوق؟

توقعت أن أقابل المعلم حنكورة ذاك الرجل الخمسيني بطل الأفلام المصرية القديمة الذي يتدلى كرشه أمامه ويمتلك قهوة ويدخن ويسعل طوال اليوم، أو شاب منتفخ الأوداج نافر العضلات محمر العينين كمدير مقهى تركي برليني، ولكنني وجدت شاب عادي يشبه مهندس كهربائي مصري في بداية الألفية الحالية، يجلس أمامي بحماس يشرح كيف أنه ينوي أن ينشئ سلسلة من مقاهي شيشة للنساء فقط في مدن ألمانية أخرى مثل هامبورج وفرانكفورت وميونخ. هنا قد يخرج الأمر عن مجرد مقهى نسائي من أجل راحة النساء، يبدو لي الأمر الآن وكأن وراءه سبب ديني أو أيدلوجي أو أنه هناك لوبي ما يدفع في هذا الاتجاه، وهو ما نفاه تمامًا أرميا مؤكدًا أن ما يحركه هو “البيزنس وحسابات المكسب والخسارة وإيجاد بيئة مريحة للنساء”.يرى أرميا أن الرجل الذي يضيق الخناق على زوجته لن يدعها تذهب لتدخن الشيشة بالأساس، قائلًا: “هناك فكرة واحدة على الأقل لا تدور حول الرجال ولا عن مناصرة حقوق المرأة، إنه فقط التفكير حول جعل المرأة سعيدة لساعات وما يهمني هو أن تعود إلى بيتها هادئة دونما التفكير فيما تعرضت له من نظرات في محل الشيشة ولا ما سمعته من كلمات بسبب جنسها، وعلى كلِ أي فعل هو عرضة لردات الفعل الإيجابية والسلبية ومحل انتقاد، لكن على من يريد الانتقاد أن يأتي أولًا إلى المقهى ليشاهد كيف أن السيدات من مختلف الثقافات مستمتعات وعندها لن ينظروا للأمر كما تنظرين”.

حسن إذن علي إنهاء المقابلة والانصراف، لا ليس بعد فلا أكاد أحصل على إجابة حتى يظهر سؤال آخر، ماذا عن القاصرات فمعظم مرتادات المقهى ما بين 18 و25 عام؟ تجيب سيلين: “لدينا سياسة صارمة في هذا الشأن، فعندما نلاحظ دخول فتاة تبدو صغيرة نتفحص هويتها لنتأكد من أن عمرها فوق الثامنة عشرة، وإن لم يكن نخرجها فنحن لا نسمح أبدًا بدخول النساء تحت السن القانونية”.

إلى هذا الحد أدركت أنه علي التوقف وإلا لن يجد مدير التحرير مساحة لنشر التقرير، لا لن أخاف فأنا امرأة قوية ولدينا الآن مقهى خاص بالنساء. خرجت إلى الشارع وذهبت مرة أخرى إلى الكهف المخملي جلست على الأريكة الناعمة وطلبت شيشة بنكهتي المفضلة وتوقفت عن التفكير، فلا نضال نسوي ولا مساواة ولا مدير التحرير لا بشار ولا السيسي، فقط أدخنة أنفثها، فنفثة لإرهاق اليوم، ونفثة لنسيان الغربة، وثالثة لمواساة البائسين في الأرض، حتى لم يبقَ سوى نعومة المكان وغموضه.

أمل برلين | إعداد وتقرير: أسماء يوسف
Photo: Asma Yousuf