السياسة

في ذكرى الهولوكوست.. حملة ضد النسيان وأخرى للمحاسبة

الخميس 31 يناير 2019

يستذكر الألمان هذه الأيام من كل عام المحرقة اليهودية التي وقعت على يد الجيش النازي في أربعينيات القرن العشرين أثناء وقبل الحرب العالمية الثانية، ويطلقون حملات وهاشتاغات على مواقع التواصل الاجتماعي للتذكير بهذه الجرائم، في الوقت الذي تعيش فيه أوربا وألمانيا على وجه الخصوص ظهور بعض الحركات اليمنية المتطرفة التي تنتهج نهجاً مشابهاً للأب الروحي لهم “النظام النازي”. في ذات الوقت أطلق ناشطون ومثقفون سوريون حملة لمحاسبة الأسد، رأس النظام الذي مارس جرائم بشعة بحق شعبه الذي خرج للمطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية.

#WeisseRose

Gepostet von Weiße Rose Gemeinschaft am Samstag, 22. Juli 2017

 

كلا الحملتين تصاحبت مع صور للتذكير بالجرائم النازية والأسدية، وأنا هنا لست بصدد المقارنة بين الحملتين، أو بين مدى بشاعة الجرائم التي ارتكبت، لكنني أود الإشارة إلى رجلين وجدا نفسهما بالصدفة في مركز الحدثين ليكونا شاهدين مهمين على بشاعة تلك الجرائم، وهما المصوران الفوتغرافيان “فيلهلم براسي، قيصر السوري”.

 

لكل الاصدقاء الشرفاء ..لندعم جميعآ حملة محاسبة الاسد المجرم….#الأسدمجرم_حرب#لابقاءللأسدالقاتلAssad is a war criminal

Gepostet von Abdlhakeem KT am Donnerstag, 24. Januar 2019

 

فيلهلم براسي مصور أوشفيتز

صورة من المحرقة النازية – المصدر ويكيبيديا

كان فيلهلم براسي سجيناً في معسكر الاعتقال البولندي أوشفيتز، ونجا من المحرقة لأن النازيين أوكلوا إليه مهمة تصوير المعتقلين، وذلك لأن بيروقراطية النازيين كانت تتطلب ذلك، لذا على براسي أن يلتقط ثلاثة صور لكل سجين، لإدراجها في ملفه الشخصي، الصور الثلاث بوضعيات مختلفة، وهي الوضعيات المتعارف عليها لدى السلطات الأمنية، والتي تؤخذ للمدانين بالجرائم، وللمطلوبين للعدالة، الوضعيات الثلاث هي من الأمام، ومن الجانب ومع غطاء الرأس. وبحسب شبيغل أون لاين، براسي كان يعتقد أن هذه الصور ستكون آخر صور يلتقطها هؤلاء الناس، حيث كان يرى الخوف في عيونهم، يرى لمسات الموت على وجوههم، وبحسب براسي كان هناك من يدرك ما هو مقبل عليه، البعض الآخر متشكك حول مصيره.

لدى براسي ثلاث دقائق ليلتقط الصور، لذا كان يشعر بالعجز لأنه لا يستطيع تقديم المساعدة، حتى أن بعض المعتقلين هم من مدينته، لكنه لو بدر منه أي شيء يدل على مساعدة هؤلاء سيكون موته محتّم على يد السجانين، لذا كان يكتفي أحياناً بتقديم السجائر للمعتقلين الذين يقوم بتصويرهم.

“قيصر” السوري ومسالخ الأسد

صور قيصر – ضحايا معتقلات الأسد | المصدر الجزيرة

قيصر هو الاسم المستعار لمجند منشق عن جيش النظام السوري، عمل قيصر بحسب تقارير إعلامية 13 عاماً كمصور جنائي في الشرطة العسكرية السورية، وآخر ثلاثة أعوام وبعد اندلاع الثورة السورية، أمضى آخر سني خدمته بتصوير وتوثيق جثث المعتقلين، وقد قال “قيصر” بحسب تقارير إعلامية أن هذا العمل كان شاقاً وتسبب له بمشاكل نفسية. مهمة قيصر لا تختلف عن مهمة براسي الألماني، لكن الهدف من التصوير بحسب ما أوضحه “قيصر” يندرج ضمن سياسة التعتيم التي مارسها وما زال النظام السوري على الجرائم التي تُتركب بحق المعتقلين، فالسبب الأول كان من أجل إصدار وثائق وفاة، حتى لا يتم الرجوع لعائلة المعتقل، وبالتالي لن تجد السلطات نفسها في مواجهة عائلات المعتقلين، لتبيان أسباب الوفاة. أما السبب الثاني فهو لإرضاء سادية مسؤولي النظام السوري، حيث تشكل الصور دليل حسي على تنفيذ الأوامر التي أعطيت للسجانين.

التقط قيصر 55 ألف صورة، بمعدل 4 إلى 5 صور لكل معتقل، جزء من الصور التي نُشرت أظهرت الوسائل الوحشية التي مارسها النظام السوري بحق المعتقلين، حيث تظهر أجساداً نحيلة نتيجة سياسة التجويع داخل المعتقلات، وكذلك عيون مفقأة، وآثار ضرب، واستخدام أدوات حادة في التعذيب، وتظهر الصور أن من بين المعتقلين أطفال ونساء وكبار في السن.

شكلت هذه الصور والتي تعود بحسب التقارير الإعلامية المشهورة لــ 11 ألف معتقل ما بين عامي 2011 و2013 دليلاً قاطعاً على جرائم الأسد بحق المعتقلين، وكذلك شكلت حجر الأساس لقانون قيصر الذي يتم مناقشته هذه الأيام في الكونغرس الأمريكي، والذي ينص على محاسبة الأسد، وحماية المدنيين في سوريا. لقد كانت صور قيصر اختباراً للضمير العالمي، وللمنظمات الحقوقية لتتحرك لإيقاف “المحرقة” السورية التي اعتبرها مراقبون من أبشع الجرائم التي ارتكبت في التاريخ الحديث.

في النهاية ربما الصدفة هي التي قادت “قيصر السوري” و”براسي الألماني” ليكونا في مركز أحداث صُنفت على أنها الأبشع في التاريخ الحديث، لكنهما ساهما من خلال هذه الصدفة بتعرية نظامين إجراميين يقومان على إقصاء الآخر المخلتف، سواء لأسباب عرقية، أو طائفية أو سياسية.

يذكر أن ألمانيا تحيي ذكرى المحرقة اليهودية في الفترة الواقعة ما بين 27 و 31 كانون الثاني/ يناير من كل عام، وهي الفترة التي تصادف تحرير معسكر أوشفيتز في بولندا، وقد تبنت الأمم المتحدة هذه الفكرة، وأصبح 27 من كانون الثاني/يناير يوماً عالمياً لإحياء ذكرى ضحايا المحرقة والتي راح ضحيتها ستة ملايين يهودي أوربي.

أمل برلين| إعداد وتقرير: خالد العبود
Photo: pixabay.com