السياسة

العدالة السورية.. من ستُحرق ومن سَتُطهر؟

الجمعة 8 مارس 2019

العديد من الناس سمع باعتقال السلطات الألمانية لإثنين ممن عملوا سابقاً في فروع الأمن التابعة للنظام السوري، وتباينت الآراء وأربكت البعض، فما هي العدالة وكيف تكون آلياتها؟ هل تختلف من شخص لآخر، وهل هي مرهونة بالزمن؟ أم أن الثورة تمنح استثناءات لأولادها فتطهرهم وتمنحهم صك البراءة؟

وإن بدأت المحاكمات الآن، أين ومتى ستنتهي ومن سيكون تحت مظلتها؟ أسئلة كثيرة تجول في أذهان السوريين ولعلها لن تبارحهم في وقت قريب، وبهذا الخصوص كان لأمل برلين حديث مع المحامية والناشطة جمانة سيف، والسيد مكرم .

تفاصيل اعتقال إياد .غ

يؤكد (مكرم) أن أخيه إياد .غ بريء من دم السوريين، إياد 42 عام، أب لـ 6 أولاد تتراوح أعمارهم بين 20 سنة و3 سنوات ولديه ابنة مقعدة عمرها 19 سنة تقريباً. يقول مكرم: “أنا متأكد من براءة أخي، كما أني أثق بعدالة القضاء الألماني، وأنا مع أن تأخذ العدالة مجراها بغض النظرعن النتائج”.

سلسل مكرم تفاصيل اعتقال أخيه: “عندما قدم اياد طلبه للجوء، شرح خلال أربع ساعات عن عمله ولم يُخف أي شيء يعرفه عن فرع أمن الدولة (الخطيب)، وبعد شهر ونصف اُستدعي إلى مخفر الشرطة للتحقيق معه ثانية، ليستمر التحقيق هذه المرة 9 ساعات. لاحقاً استدعوه إلى دائرة الأجانب واقتادوه إلى السجن من هناك في 12 شباط/ فبراير هذا العام”.

ذكر الأخ متأثراً تفاصيل يعرفها البعض أن إياد كان يقوم بتدريب الأشخاص الجدد في مركز نجها للصاعقة للعمل بأمن بالدولة وذلك عام 1997، لينتقل بداية عام 2010 إلى قسم الدراسات الدينية التابع لأمن الدولة في مخيمي فلسطين واليرموك، وأيضاً الحجر الأسود. ويضيف مكرم: “عندما بدأت الثورة “طُلب من إياد أن يجمع التقارير عن المندسين والمخربين، لكن تقاريره كانت عن ملثمين دون أن يذكر اسم أحد، وعندما تكون هناك مداهمة لمكان، كان أخي يقوم بتنبيههم ليقوموا بمغادرة المكان حتى لا يُقبض عليهم. واذا تم تكليفه باجراء بحث عن شخص ما، جوابه دائماً: إما هذا الشخص قد سافر أو هاجر أو ترك منزله ولا أحد يعرف أين هو. مما دفع رئيسه بالعمل لإرساله إلى الزبداني في الوقت الذي كانت فيه المعارك محتدمة، رغبة بموته كما حدث لزملاء سابقين له هناك”.

لكن إياد نجى من الموت في مدينة الزبداني، ليواجه ظرفاً أقسى حيث ُنقل إلى الفرع 251 أو ما يعرف بفرع الخطيب بدمشق، كان يرأسه حافظ مخلوف، والذي لم يتوانى عن تهديد إياد باغتصاب ابنته المقعدة من كل عناصر الفرع إن ثبت أن هواه مع الثورة، حسب ما ذكره مكرم.

انشق إياد في الشهر الأول من عام 2012 وبهذا يكون ثاني شخص ينشق عن النظام من محافظة الدير، وعندما تدهورت صحة ابنته لعدم توفر العلاج، سافر إلى تركيا ليبقى هناك مابين عامي 2013 و2016، ليقرر أن يلجأ إلى أوروبا ولكنه علق مع عائلته في اليونان حتى نيسان الماضي من عام 2018 حين استطاع الوصول إلى ألمانيا وقدم طلب اللجوء له  ولعائلته ويتم توقيفه لاحقاً.

 هل سيكون إياد الغريب كبش المحرقة السورية؟ 

اشتعلت وسائل التواصل بين من هو مع هذا التوقيف ومن ضده، وتتالت الشهادات عن إياد .غ، حيث قالت الصحفية زويا بستان: ” ساعدني إياد للخروج من فرع الخطيب بأقل الأضرار وبأسرع ما يستطيع بعد استدعائي ” ، كما قال الطبيب .”  والكاتب عساف العساف: “أنا مع قيام محاكمات لكن لا أريد أن تُقام حفلة على إياد، ليكون كبش محرقة”. في حين رفض أخ إياد التعليق على التقرير المصور الذي نشرته قناة (WDR) الألمانية عن شخص اسمه اسماعيل، والذي يتهم إياد بتعذيبه له في فرع الخطيب، كما لم يعلق على ماقاله شادي الحصري في تقرير صحيفة دير شبيغل. بينما المحامية والناشطة السورية جمانة سيف تقول: “لايوجد إفلات من العقاب ويجب محاسبة كل مرتكب للجرائم وهذا الحق لا يسقط بالتقادم”.

هل يمكن تأجيل حق الضحايا؟

المحامية والناشطة السورية جمانة سيف

تعمل سيف في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الانسان، الذي يمثل جهة الادعاء مع المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية والمركز السوري لحرية الإعلام على الفرع الأمني الذي يدعى فرع الخطيب، والذي أُثبت ارتكابه لجرائم ضد السوريين، وعُذب المعتقلين في أقبيته. وهناك قضايا مرفوعة من ناجين كانوا معتقلين فيه، وتؤكد  سيف أن العدالة الجنائية هي جزء من العدالة الانتقالية، والأسئلة التي دفعت السوريين للنظر أكثر وتسليط الضوء على ما هي رؤيتهم للعدالة، وهل يمكن تأجيل حق الضحايا، .وماهي التدابير للعيش بسلام داخل سوريا، هذه أسئلة مشروعة. وتقول: “مانريده جميعاً هو الحقيقة والعدالة هذا حقنا كسوريين وحق الناجين الذين تعرضوا للتعذيب سابقاً وعائلات وأحباء من قتلوا تحت التعذيب، ولايمكن لأحد ان يسامح بالنيابة عن هؤلاء، من حقهم معرفة الحقيقة والوصول للعدالة ومن حقهم محاكمة المشتبه بهم والمتورطين.. من الجيد وجود نظام نزيه هنا تتم محاكمتهم على أساسه، وقضاء نثق به، وهناك حق متاح أيضاً للمشتبه بهم بأن يصلوا إلى العدالة وأن يقدموا كافة الأدلة والشهادات التي تؤكد رفضهم للجرائم التي كانت تُرتكب في الأفرع الأمنية وانشقاقهم”. تؤكد سيف أن التحقيق والقضاء سيأخذ بكل تلك الأدلة والشهادات، وأن هذا العمل سيقود للوصول الى مرتكبي الجرائم الكبرى والملطخة أيديهم بدماء السوريين ومن قبل جميع الأطراف، فهناك آلاف الوثائق التي تجرمهم.

طريق العدالة الطويل

قام المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الانسان منذ عام 2012 بالتحقيق بالجرائم المرتكبة في سوريا، وفي آذار  عام 2017 تقدم بأول دعوى للقضاء الألماني ضد جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية من تعذيب وقتل ضمن المراكز الأمنية، لاحقاً أتبعها بقضية أخرى ليصبح المجموع أربع دعاوى ضد الأمن العسكري والأمن الجوي وسجن صيدنايا والدعوة الأخيرة مبنية على ملفات خاصة وصور من (سيزر) وهي صور عالية الدقة تظهر أشخاص قضوا نحبهم نتيجة  التعذيب الذي تعرضوا له بالاضافة إلى الدعاوى المقدمة في النمسا ومؤخراً في السويد.

تجد سيف أن طريق العدالة طويل، لكن من الجيد معرفة أننا على الطريق وبالاتجاه الصحيح، وتقول: “ثبت أن فرع الخطيب قام بجرائم جسيمة بالأدلة وبالشهود وبكل وسائل الاثبات، لذا كل عناصر الفرع، يُعاملون كمشتبه بهم”. النقطة الأساسية بالنسبة لجميع الأطراف أنه لا يمكن التشكيك بالقضاء الألماني وبنزاهته، وأنه سيكون هناك تدقيق وتحقيق بكل الأدلة المتوفرة قبل ادانة المتهمين.

كما أشارت سيف الى أن سوريا وقعت على اتفاقية مناهضة التعذيب وصادقت عليها، والتي تدعو لتحريم التعذيب وحظره بشكل تام، وتضيف بالقانون لايمكن التذرع بأن الأشخاص كانوا يمتثلوا للأوامر من الأعلى منهم فهذا ليس مبرراً، تقول سيف: “أنا على يقين بأن القضاء سينظر بكل الحيثيات، وسيكون له القول الفصل بالنهاية. لذا من يستطيع تقديم أي شهادة تفيد التحقيق، فهي موضع تقدير”

وختمت سيف بالقول: “أستطيع تفهم ظرف المتهم إياد وظرف عائلته والسياق الذي كان في سوريا، أتفهم أنه انشق في البداية وغامر مع عائلته، شخصياً اتمنى مع سعينا لتحقيق العدالة وانصاف الضحايا أن لايُظلم أحد. وأجد أنه من الجيد أن “المحاكمات تجري في المانيا وكلنا ثقة بعدالة القضاء الألماني ونزاهته.

الجدير بالذكر أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين قام منذ عام 2014 وحتى أوائل عام 2019 بتقديم حوالي 5000 إشارة إلى “الجرائم بموجب القانون الدولي” للمكتب الجنائي الاتحادي والنائب العام، لكن في 129 حالة فقط تم إجراء تحقيقات، وخلال العامين 2015/2016 ، ضمن ذروة حركة اللاجئين، كان هناك 3800 إشارة، لكن تم الإبلاغ عن 28 تحقيق، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.

أمل برلين | إعداد وتقرير: أملود الأمير
Photo: pixabay.com