الثقافة والمجتمع

ياسمين مرعي ومبادرة “نساء من أجل مساحات مشتركة”

الخميس 30 نوفمبر 2017

أطلقت الصحفية السورية ياسمين مرعي مبادرة “نساء من أجل مساحات مشتركة” بهدف انشاء شبكة من النساء اللاجئات الناطقات باللغة العربية، من خلال ورشات عمل تنفذها المبادرة لتكون فرصة للسيدات حتى يعبرن عن ذاتهن من خلال الكتابة، حيث صدر الجزء الأول من “أصوات نسائية في المنفى” باللغتين العربية والألمانية.

تقول ياسمين: “أصوات نسائية في المنفى، محاولة طموحة لإيقاف زمن الاختزال الذي يطحننا، وانتشال أذيال الإنسانية المتساقطة، وهمس الحكايا في آذان العالم عما زرعناه في بلادنا من حدائق، ومازلنا نجيد زرعه، لكننا لا نريد لتربة الخوف أن تؤجل مواسمه أكثر”.

الصحفية ياسمين مرعي مديرة (مبادرة نساء من أجل مساحة مشتركة)

مرعي زارت بعض مراكز الإيواء في برلين وأقامت ورشات عمل متعددة مع السيدات، ففي البداية تسعى لبناء ثقة النساء بأنفسهن أو أن يستعيدوها من خلال فسحة بوح وحميمية، ثم تسعى بعدها لأن يمتلكن المعرفة بالقانون والسياسة الألمانية، وسوق العمل المتوفر ليحمين انفسهن وليشققن طريقهن من جديد.

 يتبنى المشروع عدة قضايا يتم العمل عليها مثل القابلية للانتماء كجزء من الهوية، الخوض في كل القضايا المرتبطة بالمرأة الشرقية أو المسلمة على أساس الجنس وتنشئة الفتاة هنا، والعلاقات الأسرية بسياق حالات الطلاق. أيضاً البحث في فكرة التمكين المجتمعي للنساء واستبيان مدى حقيقتها، وهل النساء متقبلات لها ومتفاعلات معها، وهل هم جزء من البرامج، وهل تنطبق عليهن المعايير، و هل هناك انتقائية للبرامج ومن يضعها؟ ماهي البرامج المتوفرة للنساء الأقل تعليما والأكبر سناً؟ العمل على تفعيل دور النساء المسلمات اللاجئات لعدم انتاج التطرف بين اللاجئين كهوية بديلة، فعندما يشعر الإنسان أنه لا ينتمي إلى، ألمانيا لكنه ينتمي للإسلام والذي هو هوية، كيف من الممكن أن لا تتحول هذه المسألة لتطرف؟.

في ورشات العمل تكون البداية أول يومين بالتعريف عن الذات، والتي تتضمن الكثير من البوح ومشاركة التفاصيل لخلق حالة من الانسجام، والهدف الغير المباشر أن السيدة التي أتت إلى هنا دون جاراتها ودائرتها الصغيرة، تستطيع تشكيل دائرة أخرى هنا، كما يمكنها أن تناقش المكاسب والخسارات، فكل مرأة يمكنها التفكير بنقاط القوة الموجودة في حياتها، والحديث عن المخاوف التي تواجهها في ألمانيا، ليتم تعديلها بالحديث عن الفرص المتوفرة هنا. هذه العملية تساعد النساء على التوازن، بالإضافة لطرح تجارب نساء لاجئات حققوا إنجازات مهمة لتشكيل الحافز للقادمات الجدد.

انتصار العلي مدرِّسة لمده 29 عام في مدينة درعا السورية

تعتقد مرعي أن كتابة النساء المشاركات لرسائل موجهة للمجتمع الألماني مهمة جداً، إذ يمكنهن التعريف بأنفسهن في المجتمع المضيف.. هذه الرسائل ستترجم للغة الألمانية ويتم تقديمها في كتاب ليكون بمتناول الجميع. انتصار العلي، احدى النساء المشاركات كتبت عن فقدها لإبنها (14 عام) في الداخل السوري إثر قذيفة، ومشاعر الذنب التي تنتابها كيف حصلت على فرصة لحياة جديدة وهي في الخمسين من العمر، بينما لم تتوفر هذه الفرصة لإبنها.

تقول انتصار (51 سنة)  من مدينة درعا وهي في ألمانيا منذ سنتين: “ياسمين منحتنا الراحة خلال هذه الورشة، لم نشعر بأنفسنا كيف بدأنا الكلام والحديث عن أنفسنا، نحن لا نمتلك ثقافة البوح، ولكن ياسمين ساعدتنا على ذلك”.

نداء سعيد احدى المشاركات

بينما نداء سعيد (54 سنة) والتي يحفزها الحلم أحياناً وتوجعها المقارنات أحياناً أخرى ما بين حياة الناس في ألمانيا وحياة السوريين في سوريا، كالمساحة المتوفرة للحرية والكلام والعيش بحمى الدولة، لا أن تكون خائف منها.. تقول نداء: “شعرت بالورشة وكأني مازلت بسوريا، جو من الدفء منحتنا إياه ياسمين، كان لدي الكثير من الأمور المؤجلة كمرأة وكأم لشابين، اهتمامي كان دائماً براحة الآخرين وتأمين طلباتهم، لم أكن استطيع إخراج ما بداخلي، وتمكنت من ذلك خلال هذه الورشة”.

هاجر الرفاعي كانت تعمل كممرضة متطوعة في سوريا

أما هاجر الرفاعي (37 عام) متزوجة ولديها أربع أولاد، درست للصف التاسع، ثم أجبرها أهلها على الزواج وهي في سن الـ 15.. عانت من المجتمع الذكوري الذي أرخى سلطته عليها منذ الولادة تقول: “تُخلق الأنثى وهي تحت سلطة الأب أو الأخ، ليأتي الزوج من بعدها ومن ثم الابن وهكذا تبقى دائماً تحت سلطة الذكر”.. لم تستطع هاجر اكمال دراستها لوجوب زواج البنت بعمر مبكر حسب عادات أهلها، فمكانها بيت زوجها، ولم يشفع لها توفقها بالمدرسة. تعتبر هاجر لجوئها لألمانيا هو للبحث عن آمان نفسي أكثر من كونه بحثاً عن مكان آمن.

تعمل المبادرة ليكون لكل امرأة صوتها الخاص، وأن لا تُصادر هذه الأصوات، أن تضاء التفاصيل التي قد لا تعني الكثير لكنها مهمة للشخص نفسه.. تقول ياسمين: “أرغب بأنسنة صورة اللاجئ قليلاً، بتوصيل صورة عنه بأحلامه ومخاوفه، أرغب بتلوين الصورة حتى وإن كانت ألوان حزينة، وهو ليس فقط  ذلك الشخص المحتاج من الدولة للمساعدات، هو جزء من أزمة السكن ومن يرغب بالحصول على الفرص”. تتمنى مرعي أن تترك هذه الورشات أثر حقيقي على المشاركات بالإضافة للألمان جراء الرسائل التي ترغب النساء بإيصالها.

تم تبني المبادرة بشكل أساسي من ساشا فالتر أند جيست (Sasha Waltz & Guests) حيث كان المشروع تحت سقفها، وقامت كلاً من اليانز كلتور شتيفتونغ (Allianz Kulturstiftung) وبرلين موندياله (Berlin Mondiale) بتسهيل العمل داخل مراكز الإيواء، والحصول على دعم العاملين الاجتماعيين هناك، إضافة للشراكة مع راديال سيسستم (Radialsystem V) والذين قدموا المكان لعام 2017 لتدريب النساء وورشات لرقص الأطفال حتى تتمكن الأمهات من الحضور، بالإضافة لدعم من أكاديمية دي كونسته (Akademie der Künste).

أمل برلين |تقرير وتصوير: أملود الأمير
* Portraits : Amloud Alameer
*  Cover image from source