الثقافة والمجتمع

الأديب الألماني الراحل “هاينريش بول” وتجربة العيش في منزله

السبت 23 ديسمبر 2017

“قوة الكلمات قد تكون أحياناً أعنف من قوة الصفعات والمسدسات” عبارة قالها الأديب والروائي الألماني هاينريش بول الذي تمر هذه الأيام الذكرى المائة على ولادته. ولد هاينريش بول في مدينة كولن الألمانية، ونشأ في عائلة برجوازية كاثوليكية. كتب بول العديد من الروايات، منها (لم يقل كلمة) التي حصل من خلالها على جائزة نوبل للآداب عام 1972. كما كتب في العديد من المواضيع عن ما قبل الحرب، وما بعد الحرب، وكذلك عن الحرب التي قال عنها: “لقد عرفت أن الحرب لن تنتهي أبداً، طالما ظل ينزف في مكان ما، جرح سببته الحرب”.

يعتبر بول من الناقدين للكنيسة الكاثوليكية، التي خرج منها عام 1976، وهو من الداعين إلى الانفتاح على الآخر، والحوار بين الحضارات و الثقافات المختلفة. كما عُرفت عنه مواقفه المعارضة للسياسات الأمريكية والسوفيتية في العالم عموماً. وهو من الموقعين مع نخبة من الشخصيات الأدبية والسياسية على وثيقة لإدانة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

منزل الأديب والروائي الألماني هاينريش بول

توفي بول عام 1985 بعد رحلة طويلة مع المرض أجريت له خلالها عدة عمليات جراحية. وتحمل اليوم الكثير من المدارس والمؤسسات الألمانية اسم هاينريش بول، وتم تأسيس مؤسسة خيرية تحمل اسم “مؤسسة هاينريش بول” ذات الصلة الوثيقة بحزب الخضر الألماني، الذي يعتبر بول الأب الروحي له. وتركز هذه المؤسسة في أعمالها على مجالات التنمية السياسية الديمقراطية والبيئة والتضامن العالمي ونبذ استخدام العنف. كما تقدم المؤسسة منحاً دراسية في إطار برنامج تشجيع الموهوبين من الطلبة الألمان والأجانب في شتى التخصصات. من بينها التخصصات الأدبية، خضر الأغا (ناقد وشاعر سوري)، روزا ياسين حسن (روائية سورية)، محمد مطرود (شاعر وناقد سوري) من بين من حصلوا على هذه المنحة، وسكنوا في منزل هاينريش بول، أمل برلين سألتهم عن مشاعرهم تجاه هاينريش بول، وخلال حياتهم في منزله بالقرب من مدينة كولن الألمانية.

خضر الأغا- ناقد وشاعر سوري

خضر الأغا: في بيت هاينريش بول عشت حالات ومشاعر متناقضة جداً

 شاعر وناقد سوري. عمل محرراً في العديد من الصحف والمجلات السورية. من أعماله الشعرية: “أنوثة الإشارة” و”الجاهلي الذي أنا”. أما في النقد فله: “البياض المهدور” و”ما بعد الكتابة”. مقيم في ألمانيا، يقول: “قرأت بعضاً من كتابات هاينريش بول قبل الثورة وقبل الحرب في سوريا. حينذاك جعلتني كتاباته أفكر بالمآسي التي تسببها الحروب، القتل والتدمير والتهجير… قرأت ذلك ولم أكن أعرف عن الحروب سوى ما أقرؤه فقط. عندما عشت في بيته، وكانت حرب الإبادة التي شنها النظام السوري علينا نحن السوريين هجرتني أيضاً وقتلت أهلي ودمرت بيوتهم.. تذكرت ما قرأته له، ما أثارني في كتاباته أنها كانت حارّة، وطازجة، لم يكن الرجل حيادياً، ولم يكتب عن الحرب بصفته مجرد كاتب يمكنه التخيل وبناء القصص، بل كتبتها بصفته مواطناً أنهكته الحرب وأنهكت شعبه الذي كان يموت ويهاجر ويخرج من تحت الأنقاض”. وعن ذكرياته في بيت بول يقول الأغا: “خلال إقامتي في بيت هاينريش بول عشت حالات ومشاعر متناقضة جداً، فمن جهة كنت خارجاً للتو من سوريا التي تنهار أمامي، حيث أهلي يقتلون على مرأى مني، وحيث أجساد الأطفال الذي ماتوا مختنقين بالكيماوي لم تزل طرية وطازجة.. ومن جهة أخرى أتيت إلى مكان باذخ، مريح، هادئ.. هذا الأمر جعلني أعيش بين حدين قاتلين: إذ، كيف يمكن لي (التنعم) بهذه الحياة الطارئة، فيما أهل بلدي يعيشون موتهم اليومي، وهجرتهم  إلى أماكن الله المجهولة، وإلى مخيمات النزوح واللجوء غير الصالحة للاستعمال البشري! وكيف يمكن لي أن أساعد السوريين بعدما (أمّنت) خلاصي الفردي؟ كنت أبحث عن وهم ما يجعلني متوازناً، وقد فشلت المرة تلو المرة. وفكرت كما أن الكتابة كانت تنقذني دائماً، فعليها أن تنقذني، الآن، أيضاً.. فأنجزت كتاباً عن الشعر. خلال الكتابة كنت أكتشف كم أن الثورة غيرتني، وكم أنها غيرت أفكاري وعلاقتي بالفن والكتابة والثقافة والمكان”.

روزا ياسين حسن- روائية سورية

روزا ياسين حسن: في ذلك المكان.. استطعت أن أتنفس قليلاً

كاتبة وروائية سورية، خريجة كلية الهندسة المعمارية سنة 1998، عملت كصحفية وكاتبة في عدد من الصحف والمجلات السورية واللبنانية والعربية، لها العديد من الكتب- مجموعة قصصية بعنوان: سماء ملوثة بالضوء- دار الكنوز الأدبية- بيروت 2000، رواية بعنوان: أبنوس. فازت بالجائزة الثانية في مسابقة حنا مينا 2004، وترجمت عام 2011 إلى الألمانية. رواية “نيغاتيف: من ذاكرة المعتقلات السياسيات” 2007، رواية “حراس الهواء 2009، ترجمت إلى الألمانية “Wächte der Lüfte” العام 2013 وإلى الفرنسية العام 2014، رواية “الذين مسّهم السحر 2016، صدرت عن دار الجمل، بيروت- كولونيا.  تقول روزا عن تجربتها مع كتبات هاينريش بول: “قبل أن آتي إلى ألمانيا في منحة مؤسسة هاينريش بول، لم أكن قد اطلعت على الكثير من أعمال بول باستثناء عملين نشرتهما دار الهلال المصرية ودار المدى. فهاينريش بول للأسف لم يكن من الكتاب الذين أخذوا شهرة كبيرة في العالم العربي. ولكني اطلعت على كتاباته أكثر بعد أن نلت منحة المؤسسة”. أما تجربتها في منزل بول فمختلفة عن تجربة الأغا، تقول روزا عن المنزل الذي يقع في قرية صغيرة بالقرب من مدينة كولن: “بالنسبة لي كانت تجربة فريدة، ففي ذلك المكان، الأشبه بقطعة من الفردوس استطعت أن أتنفس قليلاً، خصوصاً أنني كنت هاربة بابني من الجحيم في سوريا أواخر عام 2012، وكان لدي عقدة الناجي، ذاك الذي ترك البلاد والأهل والأصدقاء لمصيرهم ونجا بجلده.. المنطقة جميلة للغاية، ولكن هذا الجمال كان يزيد من شعوري بالذنب، ولم تساعدني إلا الكتابة. أما العزلة التي يعيشها الكاتب هناك فقد ساعدتني كثيراً كي ألملم شظايا روحي، وأرتب دواخلي المتخبطة”.

محمد المطرود- ناقد وشاعر سوري

محمد المطرود: هذه الفعالية جعلتني أتحسسُ وجودي الجديد في بلدٍ ليسَ بلدي

 شاعر وناقد من سوريا، يكتب في الصحافة الثقافية العربية، له خمسة كتب مطبوعة آخرها “اسمه أحمد وظله النار”، نظّم وشارك في العديد من المهرجانات الشعرية وأسس منتدى “حالة” الإبداعي. مقيم في ألمانيا، يقول المطرود الذي قرأ رواية “صورة جماعية مع سيدة” قبل حصوله على منحة: “روايةٌ تبصّر بالإنساني، وتبينُ الراوي الحائز على نوبل أحداً لا يعقّد لغتهُ ولا صياغاتهُ، كما لو أنّه يرىَ الكتابة خطاً دفاعياً بمواجهةِ الحرب”.. ويضيف المطرود الذي كتب “اسمه أحمد وظله النار” خلال إقامته في منزل هاينريش بول يقول: “حظيتُ بمنحةٍ قربتني من مكانِ هذه العلامة في حيزِ الألمان الثقافي والذاكراتي -بيت هاينريش بُول- يعني أنني أتعالق مع الطبيعة المحيطة بهِ، ومن ثمَّ تأسيس شراكة وجدانية مع موجوداته، وتعرّفُ مواقفهِ من خلّال سرّاد معنيين بهِ، وآخرينَ معي يتعرفونّهُ عن كثب، وآخرينَ سبقوني، هذه الفاعلية جعلتني أتحسسُ وجودي الجديد في بلدٍ ليسَ بلدي، وبمواجهة تركة أدبية هائلة تتمثلُ في اسمٍ كبير، مجرد ذكره يعني أن تتحمّل مسؤولية كبيرة تجاه نفسكَ أولاً.. في هذا البيت رغم الهدوء العميم تتلمسُ الحربَ التي كتبها صاحبه، وعليكَ كخارج من محنة الحرب في بلدكَ أن توائمَ بينَ الأصوات العالية للانفجارات والانهدامات العمرانية والنفسية وبينَ سكينةٍ جاءت بعد دمار، حقّاً هي حالٌ متضادة لذاتها، لا يمكنُ الكتابة عنها بعجالةٍ، ويمكنُ فيما بعد لو هدأت الحرب، ووضعت أوزارها، أن يكتب المرء عما يراهُ تجربة غنية عن ذلك التضاد بين لونين متنافرين بدءاً من الموت هناك وانتهاء بالصدمة الحضارية والهدوء وبينَ ما كان” الأنقاض” هنا.

هي تجربة مهمة جداً، أن يعيش الكتاب في منزل أحد الأدباء، الذي يُعتبر جزء من ذاكرة المجتمع الألماني، ليعايشو موجداته كما قال محمد المطرود، ليتعانق خيالهم وخياله، محاولين الهرب من سطوة الحرب التي أتت على منازلهم وذكرياتهم هناك في سوريا.

أمل برلين | إعداد: خالد العبود
* Photos from the authors
* Cover Photo: Guido Schiefer – EPD