الثقافة والمجتمع

بوابة برلين تحتضن حافلات حلب.. والبديل يصفها بـ”خردة داعش”

الإثنين 13 نوفمبر 2017

الفنان السوري الألماني مناف حلبوني
الفنان السوري الألماني مناف حلبوني

تنتصب في ساحة 18مارس/ آذار التاريخية على الجانب الغربي لبوابة براندبورغ البرلينية المشهورة، ثلاث حافلات بارتفاع 12 متر، هي ليست دعاية لحافلات، ولا ترتبط بالذكرى 27 لانهيار الجدار الذي كان يفصل برلين الشرقية عن الغربية، بل هي عمل فني للفنان السوري الألماني مناف حلبوني، المولود في دمشق لأب سوري وأم ألمانية. يرمز هذا العمل للحافلات التي كان يحتمي بها سكان مدينة حلب من طلقات القناص الذي كان يترصد كل شيء يتحرك في الحي الحلبي التي نُصبت فيه. يقول مناف لأمل برلين: “عندما رأيت الصورة أول مرة في صحيفة الغاردين، رأيت فيها رمزاً لاستمرار الحياة، فعلى أحد الجانبين كان هناك حياة، وأشخاص يحاولون الاستمرار رغم الموت الذي يترصدهم على الطرف الآخر من الحافلات والمتمثل بالقناص، والحرب”

حافلات أثارت غضب اليمينين

باتجاه ساحة النجمة
باتجاه ساحة النجمة

بدأت القصة عندما نُصبت الحافلات في ساحة أمام “كنيسة النساء” بمدينة درسدن في شهر فبراير/ شباط الماضي، يقول حلبوني الذي عاش في دمشق حتى عام 2009 ودرس الفنون الجميلة في جامعتها وانتقل إلى ديرسدن ليُكمل دراسته هناك: “في ديرسدن الساحة التي وضعت فيها الحافلات أتذكر جيداً عندما كنت صغيراً و زرت المدينة، كانت فارغة، وكنيسة السيدات هناك أيضاً كانت مدمرة، وهي كانت كرمز ضد الحرب وبعدها تم إعادة إعمار المدينة وأعادوا إعمار المكان، وشعرت بأن الحرب تم نسيانها بمعنى أنهم قاموا بمحو التاريخ الأسود، واستمروا في حياتهم. فكانت فكرتي هي أن أقوم بوضع الحافلات في هذه الساحة، كرمز أن هذه المدينة تم إعادة إعمارها بينما هناك مدن يتم تدميرها الآن، وهدفي كان فتح حوار ونقاش حول ما يحدث”.

وقد أثار هذا العمل الفني في مدينة درسدن المعروفة بوجود مجموعات يمينية مناهضة للأجانب وللإسلام الكثير من الجدل، واعتبر أنه يمثل الإسلام، لظهور راية إحدى المجموعات الإسلامية المقاتلة في حلب في صورة الحافلات وقتها، ومن هنا انطلق المناهضون للإسلام والمتمثلين بحركة بيغيدا بحملة مقاطعة، ومظاهرات، وحملة تشويه للعمل الفني على نطاق واسع، وصلت للتهديات عبر الإيميل بأسماء وهمية.

يشير حلبوني إلى ذلك قائلاً: “كان همي الوحيد عندما وضعت الحافلات في الساحة في ديرسدن أن يكون هناك نقاش، بين الجميع سواء حول مواضيع الحرب والسلم أو اللاجئين، وهذا ما حصل والكل جاء ووقف بجانب الحافلات، ودار الكثير من النقاشات”.

أما في برلين فكان مناف متخوفاً يوم الافتتاح من ظهور هذه المجموعات مجدداً، وإثارتها للشغب، خصوصاً بعد أن رأى صورة لأحد أعضاء البوندستاغ في حزب (البديل من أجل ألمانيا) AFD وهو محامي من مدينة ديرسدن يُدعى يانس ماير على موقع التواصل الاجتماعي التويتر، حيث التقط ماير صورة أمام الحافلات في بوابة براندنبورغ معبراً بإشارة عدم الإعجاب ومغرداً بأن “حافلات خردة داعش تصل إلى برلين، عار عليكم”.

وأشار حلبوني أنه متابع للنقاشات وبالأخص على تويتر وقبل نصب الحافلات هنا في برلين، مضيفاً أنه سيكون هناك جلسات حوار حول العمل في مسرح مكسيم غوركي في 20 و17 الشهر الجاري، وأن النقاش بالعادة يفضي إلى تغيير: “لكن لا يمكن التكهن بمدى فعالية التغيير، وقوته”.

رمز للحرب في مدينة السلام

صورة جانبية للحافلات قبالة بوابة برلين
صورة جانبية للحافلات قبالة بوابة برلين

“لا يوجد حرب تستمر للأبد” بهذه الجملة يريد أن يوصل مناف رسالة للسوريين الذين يعانون من ويلات الحرب من خلال عمله الفني، الذي لقي ترحيباً واسعاً من الإعلام الألماني. وبالأخص من أمام بوابة برلين، التي عايشت ماضي المدينة منذ مظاهرات القرن الثامن عشر حتى انهيار الجدار في بدايات القرن العشرين، لتنطلق بعد ذلك وتكون رمزاً للحياة، ومقصداً للمهرجانات والحفلات الفنية في نهاية العام، ومركزاً للأنشطة و المظاهرات. وبذلك سيذكر هذا العمل بمعاناة أناس يعايشون الآن الظروف ذاتها التي تترتب على الحرب ومجرياتها في سوريا. وكذلك لتكوين أمل للسوريين بأن الحرب ستنتهي عمّا قريب والدليل هذه المدن كديرسدن في البداية والتي دمرتها قوات التحالف خلال الحرب الثانية في قصف استمر ليومين، أو هنا في برلين التي عايشت ظروفاً قاسية خلال الحرب ذاتها، ومرارة الانقسام في منتصف القرن التاسع عشر.. مختصراً جميع ما تقدم بجملة واحدة: “هذا المجسم ضد الحرب”.

يأتي عمل مجسم الحافلات ضمن صالون الخريف الذي ينظمه مسرح مكسيم غوركي في برلين ويشترك فيه 100 من الفنانين الآخرين، ويستمر وجود الحافلات إلى 26 الشهر الحالي، في انتظار ساحة أخرى، لتتوقف بها كدليل على بشاعة الحرب، ورمزاً لاستمرار الحياة. حيث يتمنى الفنان حلبوني أن ينصب الحافلات بمدينة كوفنتري في المملكة المتحدة، المدينة الشقيقة لديرسدن، التي قصفها النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية.

ct4b36693

أمل برلين | تقرير وتصوير: خالد العبود