الثقافة والمجتمع

بروتوكول ميلان.. فيلم ألماني بنكهة “أزمات” الشرق الأوسط!

الإثنين 22 يناير 2018

استضافت سينما (Eiszeit) في برلين، العرض السينمائي الأول لفيلم (بروتوكول ميلان) للمخرج الألماني بيتر أوت، والذي صوّر في شمال العراق وشمال شرق سورية (كوردستان الجنوبية الغربية)، حيث ينقل الفيلم حياة الناس هناك، ويلقي الضوء على الفصائل العسكرية المتمركزة في تلك المنطقة، وهذا الأمر غاية في التعقيد بالنسبة للمشاهدين الذين لا يملكون معرفة تامة بطبيعة وتفاصيل الحياة هناك.

قصة معقدة لمشهد بسيط!

القصة الكلية للفيلم بسيطة، حتى أنها تبدو أكثر من ذلك، فبطلة العمل مارتينا والتي أدت دورها الممثلة “كاترين اشتريبك” هي طبيبة ألمانية تعمل منذ فترة طويلة بمنظمة في شمال العراق وتحديداً مدينة دهوك، حيث تساعد اللاجئين الأكراد هناك، وهي تتحدث العربية والكردية بطلاقة.

طلب أكراد سورية المساعدة من مارتينا ومد يد العون لحزب العمال الكردستاني التركي pkk، فقامت بعبور الحدود والذهاب إليهم، لكن في طريقها خطفت من قبل مجموعة إسلامية سنية متطرفة، وقد عمل المخرج على تصوير الأحداث الواقعية للحرب القائمة في العراق وسورية، فالفيلم ليس مجرد صورة مبسطة عن التحديات الصعبة في الشرق الأوسط، بل محاولة لتوضيح هذه التحديات.

الجزء الرئيسي من العمل تم تصويره في العراق وبمواقع حقيقية، ويعتبر هذا شجاعة من قبل القائمين، حيث تمكن بيتر أوت من إقناع فريقه بالذهاب إلى هناك. وخلال مقابلة خاصة مع أمل برلين حول هذا العمل الجريء قال أوت: “الجميع وصفنا بالأغبياء بسبب ذهاب فريقنا إلى هناك، أولا أريد القول أن البعض قام بمرافقتنا لأنهم يعلمون أنه لن يكون لديهم فرصة أخرى في حياتهم لرؤية المنطقة عن قرب، ولا يجب أن يفوتوا هذه الفرصة (…) بطبيعة الحال لم يكن هناك تهديد أو خطر على حياتنا، فرجال الأمن هناك عملوا على توفير الأمان لنا، ولو لم يكن بمقدور الحكومة المحلية توفير الأمن اللازم، لما أعطونا تصريح العمل هناك”.

الشيعة بوابة العراق

تكمن شجاعة الفيلم ليس فقط بسفر القائمين عليه إلى العراق وطريقة عملهم، بل أيضا بسبب المحتوى العام باعتباره قصة جريئة وشجاعة. فالعمل لا يقلل من شأن الصراعات والتحديات الموجودة في الشرق الأوسط والتي تحكي ببساطة (الإسلام مقابل أوروبا) أو (التخلف مقابل الحضارة)، بيتر أوت بالإضافة إلى كونه مخرج الفيلم، قام بكتابة السيناريو، ويقول حول ذلك أن التصميم والفكرة الأولى للفيلم تعود لعام 2007.

يضيف أوت: “كان لدي اعتقاد أن الحملة العسكرية التي تقودها أمريكا على العراق والتي تعمل على تغيير الأوضاع في المنطقة لايجب تجاهلها أو غض الطرف عنها، فالوضع كان أشبه بـ فيتنام الجديدة. في البداية كان يجب تصوير الفيلم في النجف وكربلاء، فالفكرة الأولية تقوم على اختطاف مجموعة شيعية لطبيب أوروبي، لكن أبحاثي ودراستي في المنطقة أظهرت بأن القصة لن تكون حقيقية”.

ويتابع: “كنت أريد تصوير الفيلم في النجف بسبب اهتمامي وتعلقي بالمذهب الشيعي وقصة كربلاء (معركة الحسين بن علي، الإمام الثالث للشيعة مع الخليفة ووقت مقتله سنة 61 هجري) واللاهوت المتحرر الذي يعد قسما يمكن أن يستفاد منه، فضلا عن ربطه بالتقليد اليساري والماركسي الذي أملك خلفية جيدة حوله. يعد ضريح علي بن أبي طالب وحسين بن علي أمرا بغاية الأهمية والروعة بالنسبة لي. بدأنا نحن بكتابة القصة وقمنا بتهيئة جميع أمورنا المالية، وبمجرد شروعنا بالعمل ظهرت داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وعلمنا حينها أنه علينا فعل شيء حيال هذا الأمر، قمت فوراً بتغيير النص، وعوضاً عن الذهاب إلى النجف وكربلاء، ذهبنا إلى كردستان”.

ممثلون رائعون ضمن فريق متعدد اللغات

وجود أربع لغات مختلفة في هذا الفيلم كان جزءًا أخر من التعقيدات، باختصار يمكن ملاحظة هذه التعقيدات من خلال الشخصية الأولى للعمل، الطبيبة مارتينا والتي تحدثت خلال الفيلم بأربع لغات مختلفة هي الألمانية، الإنكليزية، الكردية، العربية.

حسب قول المخرج فـ كاترين لم تتعلم الكردية أو العربية لكنها قامت بحفظ اللهجات والكلمات لتتمكن من التمثيل.. “في الحقيقة كانت تقول بعض الجمل هي نفسها لا تعرف معناها، فيمكن مشاهدة قوة هذا الفيلم من خلال شخصية مارتينا، أمرآة شجاعة وقوية عاشت لسنوات طويلة أمنة في أوروبا، عملت على مساعدة اللاجئين والمحتاجين في مناطق الحرب. ولأنها تؤمن بحركتهم السياسية تعرض حياتها للخطر من خلال نقل الأسلحة الأمريكية إلى أكراد سورية، لكن في النهاية تقتل أحد الأشخاص للنجاة بنفسها”.

يظهر الفيلم دور أجهزة المخابرات والتجسس المختلفة في حرب سورية، و يصور أن الحرب ليست بين بشار الأسد والمعارضة أو بين الاسلاميين والعلمانيين، بل عبارة عن حرب يتواجد فيها لاعبون كثر من مختلف أنحاء العالم، كأجهزة المخابرات التركية والعراقية، وحتى الألمانية، حيث يؤدي الممثل كريستوف باخ (42 سنة) دور رئيس أجهزة المخابرات الألمانية في الفيلم.

السينما الألمانية اليائسة

الشيء المثير للاهتمام حول الفيلم أن مهرجان سينمائي واحد فقط وافق على عرضه، أما المهرجانات السينمائية الأخرى لم تقبله، كمهرجان برلين السينمائي. يقول أوت حول الرفض لفيلمه: “هذا سؤال بغاية الصعوبة، من الممكن أنه رفض بسبب التعقيدات التي يحتويها”. لكن يبدو أن هيئات ومكاتب قبول الأعمال السينمائية في المهرجانات المختلفة لم تستطع الثقة بهذا الفيلم بسبب الأوضاع المعقدة في الشرق الأوسط والتناقضات الدينية والسياسية هناك.

يختم أوت حديثه حول فيلمه: “بصراحة، الكثير من الأشخاص عملوا على إحباطي، أنا لا أرى الشجاعة والفضول في العمل لدى الألمان”.

يعتقد أوت أن على السينما الألمانية أن تفتح أبوابها لمزيد من التنوع، ويجب على الألمان تقبل فكرة أن بلدهم قبلة المهاجرين، وبأنه يوماً ما سيلعب اللاجئين وغيرهم أدواراً في السينما والتلفزيون الألماني، ليس بدور لاجئين أو مهاجرين، وإنما بأدوار الناس العاديين تمامًا،كدور العاشق، ودور الأب أو الأم، ودور الطبيب والمدير والمعلم… إلخ. “بروتوكول ميلان” يعرض حالياً في جميع دور السينما الألمانية، ولمعرفة يرجى الضغط هنا.

أمل برلين | قراءة وإعداد: اميد رضايى – ترجمة بتصرف: زياد المحسن
Photo: Omid Rezaee