الثقافة والمجتمع

الغرفة الزرقاء.. معرض مشترك في المتحف اليهودي

الأربعاء 9 أغسطس 2017

يستقبلك في بداية المعرض قارب بدائي معلق في السقف مصنوع من الخشب القديم، ومربوطة به مجموعة من قطع القماش من صنع الفنان السوري عصام حمدي الملقب “نوريم”، لتبدأ رحلتك بين الألوان واللوحات، وتستمع خلال تجولك لموسيقى تجريدية تعبّر عن حالة التشتت التي تصيب الفرد أثناء التفكير، قام بتأليفها الفنان السوري نضال جعلوك، وحين تتابع سيرك في المكان تصل للغرفة الزرقاء التي اختيرت لتكون اسماً لمعرض عشرين فناناً من قوميات وجنسيات متعددة، ينظمه المتحف اليهودي في برلين منذ 12 تموز/يوليو، تحت شعار مشروع فن وتعارف. من بين هؤلاء الفنانين أيوب شيخاني (العراق)، وعصام حمدي (سورية)، ونضال جعلوك (سورية)، وهادي طاهر (العراق). المعرض انطلق بعد عدة ورشات قام بها الفنانون في ذات المكان، ويجمع المعرض بين فنانين من القادمين الجدد، وآخرين مقيمين في برلين من فترات أطول.

“خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”

الفنان العراقي أيوب بين لوحاته
الفنان العراقي أيوب بين لوحاته

أيوب شيخاني فنان عراقي قدم إلى برلين عام 2015 مع عائلته، لوحاته متنوعة ما بين الخط العربي والزخرفة، فن تصميم البوستر، ولوحات عن الطبيعة في أوربا، كذلك هناك لوحة تمثّل العراق لكنها تحمل الكثير من الدلالات بحسب ما قاله لنا. أيوب ترك الفن عام 1990 ليعمل في الإعلانات والرسم على السيارات، فالفن بحسبه لا يجد رواجاً هناك في شمال العراق حيث كان يسكن، وبعد أن عاد إلى الرسم بعد وصوله إلى ألمانيا، رسم منظراً طبيعياً استقاه مما شاهدته عينه هنا: “حساسية الفنان عالية، فهو يتأثر بما حوله، فإذا عشت في بلد كالعراق مثلاً، سترسم لوحات عن القتل والجرائم وغيرها مما يتعلق بالحرب، أما هنا حياة أخرى، لا داعي أن أجلب الحزن معي إلى هنا لذلك أرسم عن الفرح و الطبيعة”.. لكن عندما أراد أن يرسم العراق سيطر على لوحته اللون الأحمر الغامق والأسود، وما لفت انتباهي لوحته المرسومة بالخط العربي حيث تتدرج الألوان من الأبيض إلى الأحمر لتصل إلى الأسود مع وجود شموع مُطفأة: “في حياتي الأبيض عبارة عن الفرح والأحمر هو الخطر، الأبيض في لوحاتي قليل، أما الشموع فهي أنا”.. وأضاف عبارة باللهجة العراقية: “آني انتهيت”. أما عن مشاركته في المتحف اليهودي وما له من حساسية لدى الجمهور العربي فرد بآية من القرآن: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”.

قارب الحلم لم يرسُ بعد!

الفنان السوري نوريم أمام قارب الحلم
الفنان السوري نوريم أمام قارب الحلم

عصام حمدي فنان سوري من مدينة القامشلي يوقع أعماله باسم “نوريم”، وصل نوريم إلى برلين بعد مروره بعدة منافي، كبيروت، واسطنبول، ثم عودته إلى دمشق. يقيم نوريم في برلين منذ عامين، أما مشاركته في المعرض فتتمثل بعدة لوحات منها القارب الموجود في بداية المعرض والذي قال لنا أنه قارب الحلم: “قارب بدائي مصنوع من خشب الأشجار القديمة الغاية هو ليس قارب حقيقي بقدر ما هو رمز للهجرة و تنقل البشر عبر العصور وليس الموضوع السوري على شكل الخصوص. باعتقادي أن التنقلات و الهجرات التي حدث في التاريخ أقرب شيء لها هو السفينة البدائية القديمة”. أَضاف نوريم إلى الخشب القديم قطع من لوحات رسمها ومزّقها لتكون تعبيراً عن حزنه لما تعرّض له مرسمه من الحرق في سورية. أما الألوان الزاهية فقد أشار نوريم إلى أنها “عبارة عن مرثية للأطفال الذين غرقوا في البحر، حيث كانوا يحملون آمالاً كبيرة وكثيرة في نفس الوقت فغرقوا في البحر.. هذه الأحلام قمت بتمزيقها وربطتها هنا”. أما لوحاته الثانية فقد رسمها بحسب تعبيره بطريقة الرسم التفاعلي: “كنت أقوم بتشغيل الموسيقى، وأذهب بيدي وجسدي مع الألوان على اللوحة التي على الأرض”. يستخدم نوريم بحسب ما ذكر لنا الألوان الهندية الأقرب إلى الطبيعة، أما مواضيعه فتعبر عن تفاعله مع محيطه، ويعتمد على ذاكرته كثيراً، لأنه مع وجود المكان الذي يرسم به “تتحول إلى وطن”.

عدسة الكاميرا ترى ما لا نرى

هادي طاهر أمام صوره
الفنان العراقي هادي طاهر أمام صوره

هادي طاهر من هواة التصوير الضوئي، يعيش الشاب العراقي في برلين منذ عام 2015، وبدأ بممارسة هوايته في التصوير منذ عام، بعد أن اكتشف الكثير من المناطق والمناظر التي تستدعي أن يحمل الإنسان آلة تصويره ويلتقط الصور، وكذلك بعد أن تلقى الكثير من دعم الأصدقاء. يشارك هادي في المعرض بست لوحات تصوير ضوئي متعددة المواضيع ما بين الحرية التي تمثلت في لوحة فقاعات الصابون الصغرى التي تخرج من قلب الفقاعة الكبيرة، إلى قشرة الموز من الداخل بعدسة مكبرة، ليقول لنا أن هناك من الجمال ما لا تراه العين المجردة، لكن عدسة الكاميرا قادرة على إظهاره.

تأطيرنا في تسمية لاجئين خطأ

الفنان السوري نضال جعلوك أمام أعماله
الفنان السوري نضال جعلوك أمام أعماله

“أنا لا أؤمن بالقوميات”.. هذا ما بدأ به حديثه الفنان السوري نضال جعلوك بعد أن عرّفني باسمه، تتمثل مشاركة جعلوك في الغرفة الزرقاء بلوحات من الفن التجريدي، والتي تحمل مواضيع يتفاعل معها، من بينها مواضيع السياسة والوجود، ما بين لوحة “انتصاب” السلطة التي يتحدث فيها عن الطبقية في المجتمعات العربية، إلى موضوع اللجوء في لوحة أسماها “اصنع ملجأً”، حيث يرى جعلوك أن هناك حالة تسود العالم في تصنيف مجموعة بشرية على أنهم لاجئين وبهذا التصنيف تقوم بتأطيرهم بهذه التسمية. ورأى جعلوك أن الحكومة الألمانية تخطئ كثيراً بهذه الطريقة من التصنيف وكذلك الإعلام الألماني الذي يسهم بهذا التصنيف، وبالإضافة إلى اللوحات، يقوم نضال بصنع فيديوهات وموسيقى تجريدية.

يستمر معرض الغرفة الزرقاء في المتحف اليهودي في برلين حتى 27 آب/أوغست حيث يمكنكم زيارته ومشاهدة أعمال بقية الفنانين.

أمل برلين | تقرير وتصوير: خالد العبود