22207249_1374471519317023_2122646733_n الثقافة والمجتمع

الروائي محمد الأصفر والبحث عن الذكريات في وجوه الألمان

الإثنين 2 أكتوبر 2017

الكاتب والروائي الليبي محمد الأصفر في سرد خاص لأمل برلين عن تجربته الأدبية وحياة المنافي والجراح التي مازالت تنزف دماً في ليبيا..

يقول الأصفر: “زيارتي الأولى لألمانيا كانت عام 1979 بهدف علاج أخي في مدينة بون، تعلمت بعض الألمانية، بُهِرت بموسيقى بيتهوفن، تماثيله وصوره كانت في كل شوارع ومطاعم بون، زرت بيته عدة مرات وكنت قد قرأت عنه الكثير بالعربية. عزفت الناي والأكورديون مع عازفة جيتار ألمانية في ساحات بون، شُفي أخي وعاد إليه بصره، وعدت إلى ليبيا، وقد علق شيء ما بداخلي من ألمانيا.

المعاناة جعلت حياتي قلمًا وكتابًا

قرأت كثيرًا منذ كنت طفلًا، فمن آلف ليلة وليلة، وديستويفسكي وتولستوي إلى هينكه وجونتر جراس. تغيرت حياتي بعد مقتل أخي على يد نظام القذافي ضمن مذبحة ضمت 1000 سجين عام 1996 في سجن بوسليم في طرابلس، وحتى الآن لا نعرف له مقبرة. لم تكن لدي أية اهتمامات سياسية، أحببت المسرح وكرة القدم، ورغم ذلك تعرضت للتضييق، طاردوني في مكان عملي، تركت التدريس وأسست محلًا لبيع الملابس، لاحقوني، فتركت كل شيء وبلغ بي الألم ذروته وبدأت بالكتابة في العام 1999، صارت حياتي قلمًا وكتابًا.

لم يسمح نظام القذافي بطباعة أعمالي وكانت تصادر بمجرد أن تحضرها دور النشر. طبع لي مجموعتين قصصيتين بوساطة كتاب محسوبين على النظام. تتناول أعمالي القضايا السياسية والاجتماعية الليبية، ورحلاتي إلى المغرب وتايلاند وبعضها بمثابة سيرة ذاتية.

أُضطُهِدتُ في ليبيا وعدت إلى بلاد الحرية

عندما بدأت ثورات الربيع العربي، انضممت إلى المحتشدين المطالبين بإسقاط النظام، وطالت عمليات الاغتيال والخطف في ليبيا المثقفين والصحفيين والنشطاء السياسيين وأسرهم. وككاتب إشكالي لم يقبلني أي تيار سياسي، لم أهتم لتهديداتهم، بعدها تعرضت لإطلاق نار نجوت منه، وغادرت إلى مصر، وأصدرت كتاب بعنوان “ثوار ليبيا الصبورون”. وبعد جهد وصلت مع أسرتي إلى تونس، وقدمت ملفي إلى السفارة الألمانية بتونس، وحصلت على تأشيرة السفر والإقامة في ألمانيا لأسباب إنسانية.

المهجر يساعد على الإبداع

لا تختلف الكتابة في المهجر عنها في الوطن من حيث المستوى الفني، فالموهبة واحدة. لكن في المهجر هامش الحرية أكبر، هناك العديد من الأماكن لتكتب فيها، مكتبات ومقاهي وحانات وحدائق، ضعف سمعي يساعدني على التركيز. في المهجر تستشعر مشاكل الوطن بشكل أكبر وتكتب عنه بشكل أعمق، المسافة التي تفصلك عنه تجعلك تراه بوضوح. لكن كل شيء لذيذ هنا لا تستسيغه، لأنك تطعمه للوطن، حتى عندما تتناول الكحول لا تنسى، تتذكر وتتألم أكثر وقد تخرج عن طورك فتصرخ وتبكي.

تظل الكتابة في ألمانيا أمر صعب فلكي تكتب في الصحف والمجلات وتُعرَف لابد أن تكتب بألمانية تجيدها كلغتك الأم، كما أن المواقع والمجلات العربية ودور النشر هنا لا تتيح الفرصة لكل الكتاب العرب، فالعلاقات والصداقة بالمحررين أمر مهم، كما يصعب الوصول إلى المترجمين الجيدين. فبعض الكتاب العرب الذين يعيشون هنا منذ ثلاثين عامًا لا يكتبون بالألمانية ويجدون صعوبة في ترجمة أعمالهم.

ليبيا مرهونة بمصالح القوى العظمى

الوضع في ليبيا مؤلم للغاية، فهناك ينتشر: الخطف والتعذيب والقتل والاغتصاب والسخرة في المعتقلات وتجارة البشر والهجرة “غير الشرعية” وتهريب الآثار والعملات والوقود والسلع المدعومة، السوق السوداء مزدهرة، ومحاولة إبداء رأيك يعرضك للتصنيف والعقاب من الأطراف المتصارعة. الناس يموتون يوميًا بشكل عبثي بسبب الألغام التي خلفتها داعش وحلفائها من حركات الإسلام السياسي المتطرف.

لا توجد أي مظاهر للدولة، تقوم قوى إقليمية ودولية بتغذية الصراع ولا يوجد أية رؤية للحل قريبًا لأن مصالح هذه القوى متضاربة هناك. الشعب الآن منهك ومحبط، ولم يعد يهتم للثورة ويسمونها “النكبة” ولن يمانع أن يحكمه ديكتاتور يوفر الحد الأدنى من الأمن والخدمات. فبعد سقوط القذافي كانوا يحلمون بليبيا مثل ماليزيا أو سنغافورة، لكن عقب سقوط الديكتاتورية لم يحدث سوى الموت والدمار، وقد يكمن الحل في خروج ما تبقى من الناس للشارع من جديد وإسقاط كل الأطراف المتصارعة والقيام بثورة جديدة وتجنب الوقوع في أخطاء الماضي.

أحلم بحب قديم وحياة في ألمانيا

أحلامي كثيرة، منها ما تحقق كوصولي إلى ألمانيا، ومنها ما لم يتحقق، كل أحلامي في رعاية الأمل، لا أعرف اليأس، أحلامي الحالية: أن أكتب رواية عن عازفة جيتار التقيتها عام 1979 في بون، نسيت إسمها ووجهها، أحتفظ برائحتها وألحانها، أتمنى أن أقابلها، سأعرفها من خلال موسيقاها، وربما يكون لدي منها ابن أو ابنة، أتطلع إلى المارة الألمان في عمر الـ 35، وأقول هذا لديه مشيتي، أو هذه لديها ملامحي، أراقب الأطفال لعل من بينهم حفيد لي. سأكتب بحرية، لأرى إلى أي مدى، يمكن للقيم الغربية أن تتحمل ذلك.

أحلم أن أستمر في ألمانيا، أفراد أسرتي أحبوا ألمانيا، وتعلموا لغتها، واندمجوا في المجتمع، ألمانيا احتضنتنا، وعلينا أن نتعلم ونتطور ونضخ تنويعًا ثقافيًا جديدًا محترمًا للقانون في نسيج المجتمع هنا، نافعًا للإنسانية والحياة. آمل سن قوانين داعمة للاجئين والمهاجرين، تمنحهم فرصًا للحياة في أمان، شعر الكثير من اللاجئين بالقلق إبان الانتخابات من أن تجلب الديمقراطية أحزابًا تناهض وجودهم في ألمانيا أو تسعى لإخراجهم منها، وهم ما لبثوا أن بدأوا حياة جديدة وقطعوا في سبيل ذلك أشواطًا، الكثير من الأطفال سيكبرون ولغتهم الأم هي الألمانية، فما إخراجهم؟

ليس لدي حنين لأي شيء اسمه الوطن، فوطني هو العالم، والمكان الذي أخرج منه لا أعود إليه أبدًا، فقط أبحث عن أبواب جديدة كي يدخل النور والهواء إلى حياتي. وإن عدت فبعد إحلال السلام ودولة القانون. منذ أن كان عمري 12 عامًا خرجت من البيت ولم أبت في مكان واحد أكثر من شهرين، لم اشعر بالرغبة في الاستقرار إلا في ألمانيا، لم أعد أهوى السفر، فلماذا ولدي كل ما أحبه هنا؟ سألني مرة صديق لماذا تحب ألمانيا؟ وتختارها ملاذًا؟ أجبته: الموسيقى، بالإضافة إلى إن ألمانيا أول سفر للخارج في حياتي، فيها استعاد أخي بصره، وهي أول مكان يشهد أول تجربة جنسية كاملة في حياتي.

الأصفر في سطور

محمد الأصفر، كاتب وروائي ليبي مواليد 1960، حاصل على دبلوم المعلمين سنة 1979، صدر له إحدى عشر رواية ومجموعتين قصصيتين وكتاب مقالات. من أهم أعماله الروائية: المداسة، وتقودني نجمة، ونواح الريق، وغيرها العديد من الأعمال، كما ترجمت بعض أعماله إلى اللغات الأسبانية والفرنسية والإنجليزية. يكتب الأصفر في بعض الصحف الليبية والعربية والعالمية: كأخبار الأدب المصرية، والنهار وغيرها.

أمل برلين | أسماء يوسف