الثقافة والمجتمع

ولادة جديدة

الأربعاء 27 ديسمبر 2017

جلال مندو شاب سوري، عمره 26 سنة، يعمل في المسرح، تعرض جلال في وطنه سوريا للاعتقال لمدة عامين، خلال فترة الاعتقال والتي وصفها جلال بالـ “موت محتوم”، كان عليه أن يقاوم من أجل البقاء على قيد الحياة، أن تحمل ظروف المعتقل، كان عليه أن يبقى، يقول: “التفكير بالموت داخل المعتقلات يجعلك إما أن تفقد عقلك، أو أن تفقد الأمل بالبقاء على قيد الحياة، لذا كان علي أن أحافظ على عقلي، وعلى أملي. ونجحت بذلك من خلال التفكير بأمي، فلأنني أعرف مدى أهميتي بالنسبة لها، قاومت الموت بسبب التعذيب أو المرض، هذا الأمر كان دافعاً لأحافظ على عقلي، ولأبقى على قيد الحياة”.

ويشير جلال الذي يقيم الآن في مدينة بوتسدام بالقرب من العاصمة الألمانية برلين إلى أنه كان يحصل على إشارات تعطيه الأمل، هذه الإشارات بعضها تافه بحسب وصفه: “عندما يدخل أحد المعتقلين الجدد، ويكون السجان قد نسي بجيبه منديل مُعطر، هذا الشيء كنت أعتبره إشارة أنني سأعود مجدداً وأشم روائح أخرى غير رائحة الموت”.

بحسب جلال فإن المدة المسوح للمُعتقل النوم بها كانت أربع ساعات، في إحدى المرات وخلال ساعات نومه رأى حلماً أعطاه الأمل: “حلمت أنني في مكان مليء بالحجارة السوداء ،و كانت السماء تمطر قمحاً ،وأمامي كان هناك تابوت أحمر، وطفلة صغيرة كانت تمسك يدي، قمنا بدفع التابوت سوياً، وبقيت السماء تمطر قمح حتى غطت السنابل الأرض المليئة بالحجارة السوداء، بعدها استيقظت من النوم وأنا أشعر الراحة” هذا النوع من الأحلام داخل معتقلات الموت في سوريا كما يرى جلال يعطي الأمل أن الحياة ستستمر.. يضيف: “بالفعل خرجت وكان خروجي ولادة جديدة”.

لا أريد أن أعود

وصل جلال إلى ألمانيا، وحصل على الإقامة بأقل من شهر، وبدأ بتعلم اللغة الألمانية التي أتقنها قراءةً وكتابة. أصبح لدى جلال في ألمانيا كيان جديد، صار يجد نفسه كإنسان، حيث لم يشعر بذلك في وطنه سوريا.. ذكريات جلال توقفت حين سأله عنصر الأمن النزول من السيارة على حاجز للتفتيش، ليقضي بعدها سنتين في متنقلاُ من معتقل إلى أسوأ، هذا الأمر دفعه للإجابة السريعة على سؤال حول العودة قائلاً “لا لن أعود” موضحاً أن المسرح والحياة هنا جعلته يطرح السؤال على نفسه أكثر من مرة، ودائماً تكون إجابته: “الوطن الآن هو مجموعة أشخاص لن أستطيع اللقاء بهم إذا عدت إلى بلدي، هؤلاء الأشخاص هم وطني وكثير منهم قُتل، أو ما زال رهن الاعتقال، أو هاجر خارج البلد، ومنهم من هو مفقود.. لأجل من سأعود، حتى لو عدت مرة أخرى سأكون غريباً في بلدي، فحجارة الطريق والبيوت قد تُنكرني، لأن الحجارة الأساسية تم تدميرها. العودة إلى الوطن، هو أن يعود كل هؤلاء الأشخاص في مكان واحد أو أبحث عن وطن جديد، أي أن أجد أشخاص جدد كأصدقاء”.

لذلك مهمة جلال الآن هي محاولة بناء وطن جديد في مكان جديد، لكن بحذر لأن التجربة بحسب قوله علمتّه أن لا يتعلق بأي شيء فاحتمالية فقدانه قائمة بأي لحظة، مضيفاً أن “سوريا الأسد” ليست وطنه ولن تكون.

العمل و اللغة أساس البقاء

اعتبر جلال تعلمه للغة الألمانية بسرعة، هو عبارة عن حجر أساس للبقاء في هذه البلاد، كما اعتبر إصراره على العمل في المسرح الذي عمل به سابقاً في سوريا، هو بسبب ما تلقاه من تشجيع ومن نجاحات حققها في أعماله الثلاث السابقة هنا في ألمانيا.

وصل جلال إلى ألمانيا منذ عام و نصف وقد وصف السنوات الخمس والعشرين التي قضاها في سورية بقوله: “خلال هذه السنوات في سورية لم أحقق شيء، لم استطع إثبات وجودي، وصلت إلى ألمانيا، فأصبح لدي دافع للبناء، وتم فتح الأبواب أمامي، ومن خلال بناء العلاقات والعمل في المسرح ومع النجاح يشعر أنه أقوى فأقوى.

البقاء في ألمانيا بالنسبة لجلال لا يتعلق فقط في رغبته بذلك، بل يتعلق بسعيه الدائم لأجل البقاء، وفي ذات الوقت يتعلق بالمجتمع الألماني، هل سيتقبله أم لا؟!.. يختم جلال حديثه بالقول: “المسرح هو متعة كأي متعة يحتاجها الإنسان جسداً وروحاً ”

أمل برلين | كريسمون – خالد العبود
Photo: Khalid Alaboud

  • هذا النص تم إعداده للنشر في عدد (البقاء) من مجلة كريسمون