وجهة نظر

هل حقاً يعشش “الفساد” في كل دول العالم؟

الجمعة 5 يناير 2018

منذ بداية الحراك الشعبي في سورية كان يدور حديث بيني وبين مؤيدي النظام الحاكم عن الفساد الذي يعتري هذا النظام، ونظراً لعدم إمكانية إنكار الموضوع يكون الجواب أن الفساد منتشر في كل مكان على وجه الأرض وليس عيب يخص بلد دون آخر، وبالتالي علينا أن نسكت باعتبارها ظاهرة منتشرة في كل مكان.. ولكن هل حقاً الفساد في كل مكان؟

الجواب نعم، فلا يخلو بلد من وجود حالات فساد عديدة حتى ألمانيا التي نعيش فيها الأن رصدت عدة حالات فساد، ولعل أشهرها ما حصل في المطار المزمع إنشائه في برلين، والذي تأجل موعد افتتاحه عدة مرات بسبب فضائح الفساد التي كشفت حوله. لكن الفرق الجوهري يكمن بالتفريق بين الفساد كحالات فردية، وبين الفساد كمنظومة قائمة بحد ذاتها، ففي بلدان العالم المتقدمة توجد قضايا فساد عديدة، لكنها تبقى ضمن الحالات الفردية ولم تصبح منظومة فساد كما هو الحال في بلدان العالم الثالث.

ماذا يعني أن يصبح الفساد منظومة؟

يؤدي إلى تغير في المعايير الأخلاقية بالمجتمع، فيصبح الفاسد هو الإنسان الذكي الذي يعرف كيف يقتنص الفرص عندما تتاح له، أما من يرفض الرشوة والمحسوبية وبدلاً أن نطلق عليه الصفات الإيجابية كالمستقيم أو القانوني نطلق عليه صفات المتذمت أو “الغشيم”، فكثيراً ما سمعنا في مجتمعنا عبارات (غشيم حصل على منصب معين لعدة سنوات وما زال بيته بالإيجار، أو مازال لايملك سيارة!) بدل الإشادة بأخلاقه التي منعته من الرشوة، ننعته بالغباء وأنه لم يغتنم الفرصة. لا يقتصر الأمر على موظفي الدولة، بل حتى التاجر الذي يزوّر السجلات كي يتهرب من دفع الضرائب سينظر إليه بالذكي وأنه يقوم بأمر طبيعي وليس أمر شاذ، رغم أنه بالمفهوم القانوني يقوم بسرقة أموال الدولة أو بالأحرى أموال الشعب التي تديرها الدولة، فلا أحد يعتبر أن هذا المحتال الضريبي يسرق أموال المواطنين بشكل غير مباشر، بعد أن تغيرت المعايير الأخلاقية في المجتمع وأصبح الفساد هو الأمر الطبيعي. لم تعد المشكلة بالفساد الإداري وامتدت إلى الفساد الأخلاقي الأخطر على بنية المجتمع.

عندما يكون الفساد منظومة يصبح ثقافة مترسخة بعقلية الشخص ولو عن حسن نية حتى خارج بلاده، فتراه يلجأ إليه لاستسهال حل أي مشكلة تعترضه، فالكثير من اللاجئين دفعوا مبالغ كبيرة للسماسرة لإيجاد سكن، كما نجد بعض حالات الشوق والحنين للفساد خصوصاً عند تعرض أحدنا لإجراءات طويلة المدة من أجل الحصول على رخصة قيادة سيارة في ألمانيا مثلاً، فتلقى من يقول: (رحم الله أيام سورية عندما كنت تدفع المبلغ المعلوم فتصل الشهادة إلى بيتك)، متناسياً أن هذه الإجراءات لضمان سلامته وسلامة الناس الآخرين.

عندما يكون الفساد منظومة تكون مهمة مكافحته بشكل عملي من مسؤولية أجهزة المخابرات الفاسدة أصلاً، وليس من مهمة السلطة القضائية. فالمسؤولون في جهاز الدولة تكون لهم ملفات عند المخابرات يتم فتحها تبعاً لأسباب سياسية وليس قانونية، فكثيراً ما نسمع في دولنا العربية أنه تم إحالة مسؤول ما إلى القضاء رغم أنه مارس الفساد لعدة سنوات مضت، والحقيقة تكون أجهزة المخابرات قررت إحالة ملفه إلى القضاء الذي تتحكم به، من أجل التضحية بهذا الفاسد بعد أن تم الإستغناء غن خدماته.

ويضاف إلى ذلك أنه في الدول القمعية التي لا يستند النظام الحاكم فيها إلى قاعدة شعبية حقيقية، يتم استخدام الفساد لشراء الولاءات من فئات معينة، فتتغاضى عن تهريب المخدرات مثلاً من قبل قبيلة أو جماعة معينة مقابل دعم أفراها للنظام، لذلك نجد هذه الجماعات تستشرس في الدفاع عنه في حال تعرضه للخطر، ليس حباً به، بل خوفاً على مصالحها التي ستتضرر في حال سيادة القانون.

ختاماً أتينا من بلدان تمتلك ثروات باطنية وزراعية وآثار لحضارات عظيمة تجعلها قبلة للسياح حول العالم، أي أننا نملك جميع مؤهلات الإقتصاد القوي الذي يؤدي إلى رفاهية المواطن، إلا أن الفساد الذي يسود أوطاننا حولنا من “أسياد” إلى “لاجئين” في بلاد الغير، تحت رحمة إنسانية هذا الحزب وعنصرية الآخر.. فلنتحد جميعاً لمحاربة ثقافة الفساد.

سامر مسوح | أمل برلين
Photo: Amal, Berlin

  •  المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعكس بالضرورة رأي موقع أمل برلين!