وجهة نظر

مجلس التصفيق.. والتفصيل!

الثلاثاء 12 سبتمبر 2017

كاتب المقال خالد العبود
الكاتب خالد العبود

التصفيق يقوم به الشخص إما للتعبير عن سعادته بشيء ما، أو للترحيب بشخص ما، أو للتشجيع على أمر ما، لكن أن يكون التصفيق صفة لبرلمان إحدى دول الشرق الأوسط “سورية” فذلك ما لم تتوقعه عزيزي القارئ.

عندما كنّا أطفالاً في المدرسة، كان لزاماً على الجميع الانتساب لمنظمة تسمى “طلائع البعث”، وهي منظمة تهتم بشؤون الطلاب صغار السن حتى الصف السادس، تقوم بتعليمهم الغناء من أجل القائد، وعزف الموسيقى من أجل القائد، ورسم القائد ومنجزاته، وكتابة الشعر بالقائد، وكذلك التصفيق كلما ذكر اسم القائد!. فقد أمضى المدرسون في المرحلة الابتدائية ساعات وساعات ليعلمونا كيف يصفّق الرفيق الطليعي المجتهد، حيث هناك صفقة خاصة لهذه المرحلة من العمر، هذه الصفقة لها طريقة خاصة وأوقات خاصة أيضاً، فعند ذكر القائد المتمثل بشخص حافظ الأسد قبل عام 2000، وبشخص بشار الأسد بعد عام 2000 تنطلق عاصفة التصفيق، أو عند ذكر الحزب الحاكم وهو حزب البعث العربي الاشتراكي، أو عند ذكر كلمة الاشتراكية، أو ما يسمى بثورة الثامن من آذار، أو حرب تشرين “التحريرية” إلى ما لا نهاية من مناسبات لا تحمل من تسمياتها شيئاً..

بعد ذلك يبدأ تعيلم التصفيق المخصص لمرحلة عمرية أكبر، وهي المرحلة الإعدادية وما يليها من سنوات دراسية ثم الجامعة وأيام العمل “الطوعي” والاحتفالات العفوية بذكرى الانقلاب.. أقصد الحركة التصحيحية المستمرة حتى يومنا هذا!! وهكذا يصبح المصفق السوري، أي “المواطن” إن صح التعبير مؤهلاً لأن يكون عضواً في مجلس “الشعب” السوري، الذي يتمتع أعضاؤه بموهبة التصفيق الحار كالرفاق في جمهورية القائد الأعلى كيم جونغ أون، أو ما يعرف جغرافياً بكوريا الشمالية.

أطلق على مجلس الشعب السوري تسمية مجلس التصفيق، وذلك تعبيراً عن أبرز مهامه، وهي التصفيق الحار عندما يلقي القائد أحد خطاباته، لا بل حتى مقاطعته أثناء خطابه وبالأخص إذا ارتفع صوته، أو قال عبارة رنانة، أو ذكر نكتة وضحك عليها، أو أطلق تسمية جديدة على المعارضة السورية التي بدأت ثورتها ضده عام 2011.. فما إن يدخل “القائد المفدى” تحت قبة مجلس “الشعب” حتى يقول مذيع التلفزيون: واستقبل السيد الرئيس بعاصفة من التصفيق الحار.. الحار ربما أكثر من حرارة فلفل التاباسكو!! أما بالنسبة لمهمة القبة في مجلس “الشعب” السوري والتي لا تشبه على الاطلاق قبة الشفافية في البوندستاغ الألماني، فباعتقادي أنها -أي بالحالة السورية- مصممة لتعطي صدىً عالياً لتصفيق أعضائه!!.

بدأ تداول تسمية مجلس التصفيق علناً بعد اندلاع الثورة السورية في آذار، حيث كُسر حاجز الصمت، وانطلقت صرخات الحرية لتعلو فوق صفقات أعضاء مجلس “الشعب”.. لكن للأسف صمّوا آذانهم جميعا عنها، لا بل أصبح جلُّهم يقوم بمهمة تحسين صورة النظام على شاشات الإعلام العربي، والدفاع عن وجهة نظره وتبنيها مما دعا المشاركون في الثورة لتسمية بعض أعضاء مجلس الشعب “بأبواق السلطة”.

كانت تجربتنا كسوريين مع مجلس “الشعب” السوري تجربة فاشلة بامتياز وبالأخص بعد الانقلاب العسكري الذي قاده حافظ الأسد هو وحزبه “البعث”، تجلى هذا الفشل في صور كثيرة لم تقتصر فقط على التصفيق والتزمير، بل تعدته للاعتداء على الدستور الذي من المفروض أنهم بحسبه سلطة تشريعية تعمل على حمايته وتطبيقه، فبعد موت الأسد الأب، قام المجلس بالموافقة الفورية على تغيير مادة في الدستور تقر بالسماح بتسلم الأسد الابن السلطة عن عمر الرابعة والثلاثين بدل الأربعين عاماَ.. تم تعديل هذه المادة في الدستور والتي رقمها 83 خلال دقائق وبموافقة جميع الأعضاء، ليطلق فيما بعد على المجلس بأنه مجلس التفصيل، تشبيهاً له بالخياط الذي يقوم بصنع الثياب على مقاس الزبون.

خالد العبود | أمل برلين
* نشر هذا المقال باللغة الألمانية ضمن ملحق جريدة دير تاجزشبيغل البرلينية
(نختار الحرية – Wir wählen Freiheit)