وجهة نظر

عنترة العبسي في مواجهة سيغفريد الألماني

الأربعاء 14 فبراير 2018

تزخر الذاكرة العربية بالكثير من قصص الحب والعشق، حتى أن العرب أعطوا للحب درجات هي 14 درجة، يبدأ بالهوى وينتهي بالهيام، وغالبية القصص التي تتعلق بالحب في التراث العربي يكون أصحابها قد وصلوا إلى درجات الهيام، وذاع صيتهم بين القبائل ومنهم من وصل لحد الجنون ولُقب بالمجنون، معظم هذه القصص لم تنتهِ باللقاء، وعكرتها أقاويل العاذلين، والعادات والتقاليد، مما جعل القصة تنتشر انتشار النار في الهشيم، وبالأخص بعد أن حمل الشعر هذه القصص ودار بها أصقاع المعمورة. لتغري هذه القصص الموسيقيين، وتبقى جذوتها كشعلة معبد متقدة دائماً. على الرغم من البعض أنكر هذه القصص كالكاتب المصري طه حسين.

فبينما قبّل عنترة السيوف لأنها تلمع كثغر المحبوبة عبلة، كان قيس بن الملوح يتدله ويتوله بحب ليلى ويرغب أن يكون لها الطبيب المداوي. وفي حين كان جميل لا يخاف مجيء أخ بثينة واعتبره الحبيب أخا الحبيب كان توبة يكتب لليلى الأخيلية أنه حتى لو مات وأٌقرأته السلام في قبره فإنه سيرد عليها السلام.

لكن كيف هو حال العشاق الألمان، وهل لدى هذا الشعب قصص مشابهة لقصص عشاقنا؟ هذا ما حاولت الاستفسار عنه. حيث أجمع كثيرون سواء عرب أو ألمان ممن سألتهم على أن السؤال يحتاج للبحث، وعرض علي البعض قصصاً لكنني لم أجدها تتشابه مع ما لدينا، فغالبية قصص الحب الألمانية مستقاة من الأساطير، أو هي قصص من خارج الحدود، أو قصص مُتخيلة من قبل مؤلفين لهم حظوة في التراث الأدبي الألماني، والعالمي أيضاً.

فالقصص الألمانية تختلف كثيراً كما قال الدكتور عبده عبود المختص في الأدب المقارن “فالتاريخ الثقافي للألمان يختلف عن التاريخ الثقافي للعرب”، وبذلك وافقه الدكتور خالد حسين الذي اجتهد وقال “الإطار السيسيوثقافي يفرض نوعاً محدداً من السرديات”، في حين رأى الروائي إبراهيم الجبين أن الفكر الألماني مشغول بالمكنيسيان الثقافي أي بما يتعلق بالفلسفة والفكر، واعترض الجبين على تعليق بأن الثقافة الألمانية تخلو من قصص الغزل والحب الحقيقية، وذكر قصة “برونهيلد وسيغفريد” الأسطورية التي غُنيت وأُعيد تأليفها موسيقياً على يد “فاغنر” ، وقد قال الجبين أنها مشابهة لقصة قيس وليلى، لكنني بعد الاطلاع على قصتهما وجدت سيغفريد أكثر شبهاً بعنترة البطل المقدام الذي كان يجندل الفرسان.

كما أُدخلت قصة “روميو وجولييت” العالمية والمشهورة في التراث الثقافي الألماني، لتصبح “روميو وجوليا” لأن اسم جوليا أكثر رواجاً لدى المجتمع الألماني. كما كتب الأخَوان غريم رائعتهم ساندريلا الفتاة الفقيرة، التي دارت البلاد أجمع وتحولت لسينما وأصبحت القصة المفضلة قبل النوم لكثير من أطفال العالم.

مع ذلك يبقى الفرق شاسعاً بين قصص الحب في التراث الألماني ومثيلاتها في التراث العربي، واتفق تماماً مع أن الإطار الثقافي والاجتماعي يؤثر كثيراً في المنتج الفكري لأي شعب، وكذلك طبيعة اللغة واشتغالاتها فبين كلمة Liebe والتي تعني الحب في اللغة الألمانية و 14 اسم ودرجة للحب في اللغة العربية فرق شاسع أيضاً.

خالد العبود | أمل برلين
Photo: Norbert Neetz – EPD