وجهة نظر

برلين والحب من أول “إس بان”!

الخميس 16 نوفمبر 2017

برلين مدينة كبيرة جداً لدرجة تشعرك بأنها تبتلع العالم، لكنها رغم ذلك تحترم خصوصيته، ويبقى حاضراً بقوة في هذه المدينة التي تحرس أحلام سكانها من الأحياء والأموات على حدٍ سواء، ولا يعكر صفوهم سوى ضجيج “إس- بان”..

يسير الـ “إس- بان” أو القطار حول برلين ويخترقها، يكشف جمالها ومفاتنها برضاها، تسحر قلبك أبنيتها الحزينة، فوضى الشوارع وتعهدات الطرق التي لا تنتهي وكأن الشركة المسؤولة عن التنفيذ، هي ذاتها التي كانت تتعهد اصلاح الطرقات في دمشق واسمها قاسيون!

اجلس قرب النافذة، تابع بهدوء موسيقا المدينة على إيقاع التاريخ وصرير عجلات القطار، ربما تلمح بضعة سكارى بإحدى الحدائق، وربما ترى قربهم سيدة ثمانينية تنزه كلبها العجوز، وفتاة تقود دراجتها الهوائية بتثاقل، وعصافير تأكل من رغيف أحدهم، وشباك مفتوح يلوح منه علم تركيا أو قوس قزح أو هيرتا برلين أو راية البلاد.. أمعن النظر أكثر، ستجد أطفال يركبون حافلة برفقة المشرفات، ويرتدون قمصان صفراء مطرزة بعواكس ضوئية.

فجأة يدخل مقطورتك عازف متجول، يلقي التحية ويبدأ بالعزف وكأنه فرقة موسيقية، وصلته الفنية تمتد طوال المسافة بين محطتين.. يشتت انتباهك قليلاً وأحياناً يطربك، ثم يليه صوت باب القطار المزعج قبل أن يغلق، لتعود وتتأمل حركة الناس والسيارت، وقنوات الماء، والتماثيل، وأسراب الحمام، والأشجار المتصالحة مع محيطها الحجري، والكلاب التي تمشي برفقة أصحابها بسعادة وثقة تجعلها تبدو هي من تأخذ مربيّها للتنزه!

لابد أنك ستقع في حب برلين، رغم صخبها، وجنون طقسها، وتمردها وحزنها، لكنها تبقى جميلة بكل تجلياتها، حتى عندما ترمقق عيون “عنصرية” بنظرة مزعجة، لا تهتم وتابع تأمل المكان من حولك، احتراماً للحزن المعشش في أحجار المباني المرممة.

عبد الرحمن عمرين | أمل برلين
*
صورة الغلاف من وكالة EPD للصور