وجهة نظر

“أزمة” اللاجئين: التقدم إلى الوراء

الخميس 31 أغسطس 2017

ما تزال قضية اللاجئين هي الهاجس الأكبر في الدول الأوروبية ومن ضمنها ألمانيا، وفي خطوة لحل “المشكلة”، اجتمع قادة سبع دول أوروبية وأفريقية وقرروا، وكما كان متوقع تمامًا، المزيد من المساعدات المالية والبرامج التنموية لبعض الدول في مقابل وقف حركة اللاجئين هناك. وهذا ما دعت إليه السيدة “باربارا جون” في مقال لها في جريدة “تاجسشبيجل” قبل يوم واحد من القمة. لم أتوقف عند المقال لأنني فقط لا أتفق مع السيدة فيما اقترحته من حلول، ولكنني أيضًا تفاجئت نظرًا لأن السيدة عملت لأكثر من عشرين عامًا كمفوضة لشئون الهجرة في برلين، مما ولد لدي توقعات بأن السيدة تعلم الكثير عن أحوال الدول التي تتعامل مع الوافدين منها إلى ألمانيا. وتناول مقال السيدة باربارا حول مجموعة من النقاط كان أهمها:

إتفاقية جنيف: للخلف “در”

ترى السيدة باربارا أن إتفاقية جنيف للاجئين قديمة وعفا عليها الزمن فنحن الآن في زمن العولمة والاتصالات، وبالتالي هي تريد تغييرها لجعلها أكثر تقييدًا. وهنا أتفق معها بضرورة التغيير، الإتفاقية قد لا تكون صالحة لهذا العصر وأنها وضعت في ظل ظروف مختلفة عما نحياه الآن من مشكلات وحريات أيضًا، فهي قد وضعت في وقت كان التمييز العنصري ما يزال ساريًا في دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفي وقت لم تكن المرأة الألمانية حصلت على حقوقها كما هو الحال الآن على سبيل المثال، وبالتالي كان العالم أقل تحررًا فمن الطبيعي أن الاتفاقية نفسها قد تكون أقل تحررًا، نعم أريد أن نغيرها ولكن لصالح الإنسانية ولصالح الإنسان أينما كان ولمزيد من مساحات الحقوق والحرية في التنقل والحفاظ على حياة وكرامة البشر. وليس من أجل تقييد حركة الهجرة والتنقل. فأنا على سبيل المثال لدي تحفظات على المادة 9 من الفصل الأول من الاتفاقية، لأنه في مرحلة ما قد تسمح لإحدى الدول بقهر فئات بأكملها وانتهاك خصوصيتهم وكل هذا تحت عنوان الأمن القومي.

سياسة غلق الأبواب

تنادي السيدة باربارا بـ “تأمين” الحدود وإغلاقها وجعلها أقل قابلية للإختراق، ومن ثم إرسال القادمين مرة أخرى إلى السواحل الليبية أو غيرها في شمال أفريقيا، ثم تسترسل في شرح استراتيجيتها قائلة بأنه يفضل اعتماد أسلوب “لجوء السفارات” للمضطهدين سياسيًا، وبهذا تحصر السيدة باربارا قضية اللجوء والحماية في المضطهدين سياسيًا، ثم ما هي معايير الاختيار؟ هل سيتم اختيار الأكثر بؤسًا أم الأكثر مناسبة للحياة في أوروبا؟ أم الأكثر تعلمًا وبالتالي الأكثر قدرة على المساهمة في المجتمعات الأوروبية؟ وماذا عن المعدمين إقتصاديًا الذين يهربون من الفقر والموت جوعًا، أليسوا بشرًا؟ أليس من حقهم البحث عن حياة أكثر كرامة؟ ربما ستجاوبينني بأنكِ بالفعل قد تحدثتِ عن البرامج الإنمائية. نعم دعينا نناقش ذلك في السطور القادمة:

سندفع لكم على ألا تأتوا إلى بلادنا

كواحدة من النقاط التي اقترحتها السيدة باربارا لتبقي اللاجئين في بلدانهم أو البلدان المرشحة للاستضافة، طالبت بالدفع بالبرامج الإنمائية والمنح وبرامج البنية التحتية، وتوفير مخيمات لهم في المناطق الآمنة. وهنا في الحقيقة لدي تساؤل: هل تعلمين كيف هي معدلات الفساد في بلدان مثل تشاد والنيجر وليبيا؟ وهل تقومون بمراقبة هذه البرامج كدول مانحة؟ ثم ما هي خطتك لهؤلاء البائسين الهاربين من الفقر والذل؟ هل المخيمات هي الحل الذي تقدمينه كمكان للمعيشة؟ هل تخيلتِ كيف ستكون أوضاع هذه المخيمات في بلدان مليئة بالفساد والإتجار بالبشر؟.. نحن هنا في ألمانيا “كبرى الديمقراطيات الأوروبية” ورصدت شخصياً من خلال عملي كصحفية بعض الحالات التي تعيش بظروف غير إنسانية، حيث يقيم اللاجئون بالمخيمات، خاصة ما يحدث من قبل موظفي الأمن في هذه المخيمات، فكيف سيكون الوضع في دولة كتشاد أو النيجر أو حتى ليبيا؟ وكم من الوقت تقترحين لإبقاء هؤلاء اللاجئين من كل مكان في هذه المخيمات؟

دول غنية ينخرها الفساد

وفي محاولة منها لإقناعنا بتغيير اتفاقية جنيف لجعلها أكثر تقييدًا نظرًا لعدم صلاحيتها للعصر الحالي تستشهد السيدة باربارا بمعلومة مفادها أن العالم الحالي يشهد ارتفاعًا كبير في الدخول حتى في أكثر دول العالم فقرًا، وهنا في الحقيقة لدي بعض المعلومات المعروفة حول العالم يا سيدتي: أن معدلات الفساد في الدول الأفريقية في تزايد، فعلى سبيل المثال وبحسب منظمة الشفافية الدولية حصلت النيجر على 35 نقطة وتشاد 20 نقطة وليبيا 14 نقطة في عام 2016. فدولة كالنيجر مازالت ترزح تحت فساد الشرطة والقضاء برغم جهود رئيسها “محمد يوسفو” إلا أن التقارير مازالت مقلقة. ودولة مثل تشاد يستشري فيها الفساد وعلى كافة المستويات بسبب ضعف سيادة القانون وانعدام الأمن كما أن تشاد واحدة من أفقر بلدان العالم والكثير من التشاديين يعملون خارج القانون. والمحاكمات الخاصة بالفساد هناك هي وسيلة انتقام ضد المعارضة السياسية في البلد. ربما تقصدين دولًا أخرى مثل مصر والسودان، فهل قرأتِ يومًا عن معدلات التضخم على سبيل المثال في مصر وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان؟ وعن أي دخول تتحدثين، عن دخول أصحاب رأس المال والطبقة الحاكمة في هذه الدول أم عن دخول المواطنين العاديين والعمال والمزارعين والعاطلين والبائسين هناك؟ وهل تتحدثين عن معدلات النمو أم التنمية؟ وهل لديكِ أية معلومات عن القطاعات التي يعتمد عليها الإقتصاد في هذه البلدان؟ وجدوى هذه العوائد ومدى تأثر الطبقتين الوسطى والدنيا بها؟

فحص الهوية

ذكرت السيدة باربارا شيئًا حول أهمية إجراء فحوص اللجوء في بلدان الاستضافة مثل تشاد، ثم أضافت شيئًا حول خطورة فحص طلبات اللجوء هنا في أوروبا نتيجة لصعوبة التأكد من هوية طالبي اللجوء. في الحقيقة أنا لدي استفسارات: عن أي هوية تتحدثين؟ العرقية أم الدينية؟ وما هي علاقة الهويات بحقيقة معاناة الناس اقتصاديًا واضطهادهم سياسيًا؟ وما هي الفائدة المترتبة على ذلك؟ وماهو الشيء الذي تريدين التأكد من فحصه؟ إن كنتِ تتحدثين عن الإرهاب فهذا أمر جلل تُكتب فيه أبحاث، لكن دعيني أقول لكِ شيئًا: أن المنظمات الإرهابية في العالم الحديث هي بمثابة ما يمكن تسميته بـ”flat organization” ليسوا بحاجة الآن لعبور حدود دولة ما كي يقوموا بعمل إرهابي.

العولمة والانفتاح: شيطان أم ملاك؟

ثم وفي محاولة أخيرة منها لإقناع العالم بأهمية إغلاق الحدود، تقول السيدة باربارا بأنهم يأتون إلى هنا نتيجة تأثيرات العولمة والانفتاح الإعلامي وما يشاهدونه في الأفلام الأوروبية عن الحياة الأوروبية وما تنقله لهم السوشيال ميديا عن أن أوروبا هي جنة الأرض. ثم تضيف السيدة: “هم فقط يريدون حياة أكثر حرية غير أنهم يعملون هنا ويرسلون الأموال إلى عوائلهم في هذه البلدان”. وفي الحقيقة أنا لا أصدق أن تطرح سيدة في مكانة باربارا سبب كذلك لوقف تدفق البشر إلى ألمانيا، ما هي المشكلة إن أتوا إلى هنا وعملوا ودفعوا الضرائب والتزموا بالقوانين ثم أرسلوا شيئًا لذويهم يعتاشون منه؟ ثم ما هي الجريمة التي يرتكبها شخص يريد حياة أكثر حرية؟ حقًا سيدة باربارا ما هي جريمة الشخص القادم إلى أوروبا ملتمسًا الحرية؟ السيدة ترى أن ذلك بسبب العولمة والميديا، ألم تكن هذه العولمة أحد الوسائل الناعمة لفتح أسواق أفريقيا والعالم العربي أمام البضائع ورأس المال الأوروبي؟ ألم تكن السوشيال ميديا والأفلام الغربية أحد أهم أسباب تعرف ما يسمى بـ “العالم الثالث” على ثقافة ما يسمى بأ “العالم الأول” وبالتالي أكثر تفهمًا وتقبلًا لهذه الثقافة بل وتقليدًا أحيانًا؟ هل أصبحت العولمة والسوشيال ميديا الآن معضلة؟

وهكذا مثلت اقتراحات السيدة باربارا تقدمًا إلى الخلف فهي تريد التغيير لكن لتعيدنا خطوة إلى الوراء على طريق الإنسانية، فهي تريد إحتحاز البشر في المناطق الأكثر بؤسًا في العالم الآن لكن تحت مسمى العدالة، لا أدري كيف؟ ما أريد قوله للسيدة باربارا، نعم أتفق أن مشكلة اللجوء واللاجئين تحمل تحديات أكبر من مجرد مناقشتها في مقال أو حتى عشر مقالات رأي، لكن أيضًا أريد أن أقول لها أن بناء الحلول فقط على خطط المساعدات والتنمية لن تجدي، لأن هذا الحل يمكن اعتماده كأحد حلول كثيرة لكن لن يعدو أن يكون حلًا على المدى الطويل، هذا في حال استيفاء ما تحدثتُ عنه سابقًا من مراقبة لتنفيذ برامج التنمية ومراقبة إنفاق المنح وتوظيفها. وبالتالي فحجب أو منع اللاجئين واحتجازهم بالقوة لن يمنعهم من المجيء إلى أوروبا، فلو مُنعوا من الطائرات سيأتون عبر البحر ولو أغلقت السواحل سيأتون برًا وسيعتلون السحب وسيحفرون أنفاقًا تحت الأرض لأوروبا، فهي أصبحت حلمًا إنسانيًا يهربون من جحيم حكامهم، وبؤس بلدانهم إليه.

أسماء يوسف | أمل برلين
*
المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين