بانوراما

ما حقيقة شبكة الدعارة في هايم فيلمرسدورف البرليني؟

السبت 28 أكتوبر 2017

بثت القناة الثانية الألمانية خلال برنامجها (فرونتال 21)، تقريراً عن ممارسة الدعارة الذكورية في بعض مراكز إيواء اللاجئين في برلين، وذكر التقرير بالتحديد هايم(برينر شتراسه 16)، في حي فيلمرسدورف. كما أشار التقرير إلى تورط بعض موظفي رجال الأمن في استقطاب القاصرين والبالغين من بين اللاجئين وإغرائهم بالعمل في الدعارة مقابل مبالغ مالية زهيدة، وبأنهم غالبًا ما يتخذون حديقة “تيرجارتن” مقرًا للعرض والطلب والممارسة أحيانًا.

أثار التقرير ضجة كبيرة بين اللاجئين أنفسهم في برلين، وبين العاملين في شركة ASB القائمة على إدارة مركز الإيواء المذكور، ولدى مكتب شؤون اللاجئين في برلين LAF، وعلى المستوى السياسي صرحت إيلكا برايتن باخ، من حزب اليسار ووزيرة الاندماج والشؤون الاجتماعية في برلين باستيائها مما حدث، وأكدت أنه لا يوجد دليل قاطع حتى الآن، ويجب أن يستمر التحقيق في الأمر.

قامت أمل برلين بمحاولة لاستقصاء القضية في محاولة للوقوف على حقيقة الأمر من خلال إجراء مجموعة من المقابلات مع بعض المسؤولين وبعض اللاجئين من سكان هايم برينر شتراسه، والذي أتى التقرير على ذكره باعتبار عامل الأمن والأخصائية الاجتماعية الذين ظهرا في التقرير يعملون في هذا الهايم تحديداً.

مفاجأة وصدمة

عبرت كل من السيدة (ن) من العراق، والسيدة (ز) من الصومال عن شعورهما بالصدمة إثر معرفة هذا الخبر وأنهما لم تسمعا به قبل زيارتنا للهايم، كما أكدتا على أنهما لم تلحظا أي شيء غريب بهذا الخصوص خلال الفترة الماضية. كما قالت سيدة أخرى رفضت أن تدلي بأي معلومات عن نفسها، أنها لم تعرف شيء أبدًا عن هذا الموضوع، وبأنها فقط منذ عدة أشهر سمعت عن حادثة طرد أحد عمال الأمن بسبب أنه كان في غرفة إحدى الساكنات وأشارت بأنهما كانا على علاقة.

كما أكد السيد (هـ) من سوريا أنه برغم رأيه السيء للغاية في الهايم وبمستوى خدماته، إلا أنه كان مصدومًا تمامًا عندما هاتفه أصدقاء من خارج الهايم وأخبروه بهذه القضية، فهو لم يشعر يومًا أن شيء كهذا يحدث.

استياء وغضب

أما السيد (ي) من سوريا، أكد أن ما حدث أساء لجميع سكان الهايم، قائلًا: “أصدقائي تعاملوا مع الموضوع بشكل سيء، أنا كساكن من سكان الهايم سوف ينظر لي الجميع نظرة شكك شئت أم أبيت، بل إن تلك النظرة ستعمم على كل سكان المكان. أشعر بإحراج شديد عندما يسألني أحدهم: هل تسكن في مركز إيواء برينر شتراسه؟.. كل ما أتمناه الآن أن أخرج من هذا المكان فالناس الذين لا يعرفونني جيدًا ويعرفون أنني أسكن هنا سيفكرون بي بطريقة خاطئة، أنا لست سعيد بذلك”.

وبسؤالهن إن كن سمعن من إحدى السيدات أية شكوى لها علاقة بالأمر، أكدت ثلاث متطوعات بالهايم أنهن ذهلن تمامًا لدى متابعتهن للأخبار، وبأنه لم تشتكي أية إمرأة لهن حول هذا الأمر، لكن اثنتان منهن قالتا: “على كل حال نحن لسنا مقياس فنحن نقوم فقط بمساعدة 12 إمرأة ومازال هناك أكثر من 500 ساكن وساكنة في الهايم”.

بلاغ ضد مجهول

وبمقابلة شتيفان فيشه مراقب الهايم من شركة ASB قال: “ليس لدينا دليل بأن ما جاء في التقرير حقيقي، نعم التليفزيون من حقه إخفاء أسماء ووجوه مصادره، أما الإتيان بأناس يقولون كلام غير حقيقي أمام الكاميرا فهذا شيء آخر من اختصاص البوليس التحقيق فيه، ولأنه ليس لدينا دليل، قمنا بتحرير محضر ضد مجهول لدى البوليس نتهم فيه منظمة -هذا المجهول- بممارسة الدعارة بشكل غير قانوني”.

وحول ردة فعل الشركة على الخبر قال فيشه: “قمنا بالحديث مع سكان الهايم وسألناهم عن الأمر، وهم كانوا مصدومين تمامًا، والمشكلة الآن أن الاخصائية الاجتماعية التي ادعت العمل لدينا لم نستطع التعرف عليها ولا حتى من هيئتها، وأيضًا عامل الأمن من الصعب جدًا التعرف عليه، كما أننا لسنا على تواصل مع التليفزيون كي نسألهم عن الأسماء، نحن نعمل مع وكالة شؤون اللاجئين وهم يحاولون التواصل مع البرنامج”.

وأكد فيشه بأن الشركة ستعمل جاهدة خلال الأيام القادمة على إيجاد طريقة أفضل للعناية بسكان الهايم، كما صرح بأنهم في انتظار وفد من مكتب الصحة ومكتب الشباب في طريقهم لزيارة المكان لتدريب العاملين بالشركة على كيفية تزويد السكان بالمعلومات والتعليمات اللازمة للحديث عن الأمر في حال حدوثه وإرشادهم حول كيفية الشكوى دون فقدان الإحساس بالأمان.

وأضاف فيشه: “الشرطة تحقق الآن بالأمر، وننتظر قدومه للهايم من أجل التحقيق في أي وقت، وفي حال ثبوت التهم سنجبر شركة الأمن على طرد هؤلاء المتورطين وتحرير محاضر ضدهم”. واختتم فيشه كلامه بالقول: “في النهاية نحن كشركة ليس لدينا ضمانة أن كل من يعملون لدينا يتصرفون دائمًا بشكل قانوني، نحن لدينا أكثر من 300 عامل ومتطوع يعملون هنا أسبوعيًا”.

استغلال القاصرين جريمة لن نسكت عليها

من جانبه رفض السيد “زاشا لانجنباخ” من مكتب شئون اللاجئين الحديث حول الأمر قائلًا: “لا يوجد ما يقال حول هذا الأمر فالقضية قيد التحقيق والشرطة تعمل عليها”. واكتفى بالتأكيد على أنه في حال ثبوت استغلال من هم دون السن القانونية فستتخذ إجراءات صارمة إزاء ذلك ولن يكون هناك تهاون في الأمر.

تساؤلات تنتظر الحقيقة

بعد هذه الرحلة المطولة من الأسئلة والإجابات لا يوجد مؤشر للتأكيد ولا للنفي، لكن تبقى عدة تساؤلات: في حال أسفرت التحقيقات عن حدوث الأمر مع بالغين، فماذا سيكون رد الفعل خاصة بأن الدعارة مقننة في ألمانيا ويدفع القوادون ضرائب إدارتها؟ وبالتالي ستتمثل الإشكالية القانونية الوحيدة في ممارسة شركة الأمن للدعارة بشكل غير قانوني، فهل عندئذِ يمكننا الحديث عن البعدين الأخلاقي والإنساني والمتمثل في وضع أولئك الذين هربوا من الحروب والقمع ليجدوا أنفسهم مجبرين على بيع أجسادهم من أجل إطعام ذويهم وراء البحار؟ وفي حال ثبوت ذلك بحق القاصرين، فهل سيقع الشهود تحت طائلة القانون لأنهم لم يقوموا بإبلاغ الشرطة؟ مثل حالة الاخصائية الاجتماعية؟ كلها أسئلة تنتظر إجابات ومن المتوقع أن تستدعي حوار مجتمعي مطول حول الأمر.

أمل برلين | تحقيق: أسماء يوسف
*
صورة الغلاف – جيهان احمدى