بانوراما

القيصر الألماني الأخير وقصة “وسام الحمار” في دمشق

الأربعاء 8 نوفمبر 2017

عندما كنت أزور دمشق أثناء دراستي في جامعتها، قضيت الكثير من الوقت بزيارة الأماكن التاريخية في دمشق القديمة، التي سحرتني وسحرت الكثيرين. كنت أتجوّل ما بين قصر العظم، والمسجد الأموي، وقلعة دمشق، والحارات المحيطة بهذه الأمكنة، ومنها ضريح القائد الإسلامي: صلاح الدين الأيوبي. ما لفت انتباهي في هذا الضريح، هدية القيصر الألماني فيلهلم الثاني (1859- 1941)، أو ويليم الثاني ( آخر القياصرة الألمان) الذي زار دمشق  خلال جولته في المدن التابعة للدولة العثمانية آنذاك ما بين 16 أكتوبر/ تشرين الأول، و12 نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1898. وبما أنني أقيم الآن في برلين، فقد شغلت بالي هذه الزيارة منذ عدة أسابيع، فقمت بالبحث في مجرياتها من خلال ما نشرته الصحف العربية آنذاك حول مجريات الزيارة، وأسبابها، وقصة هدايا القيصر لضريح صلاح الدين الأيوبي.

من برلين إلى الأستانة (إسطنبول)

رسم تصويري يجسد الترحيب بالأمبراطور الألماني وزوجته عند مرور موكبهم في سوق الحمدية الدمشقي
رسم تصويري يجسد الترحيب بالإمبراطورة الألمانية عند مرور موكبها في سوق الحمدية الدمشقي

أسمت الصحافة الأجنبية في تلك الفترة الدولة العثمانية بالرجل المريض، لأنها كانت على وشك الانهيار، بعد أن تقلصت سيطرتها في الشمال الإفريقي، بتقاسم فرنسا وبريطانية أماكن نفوذها. في هذه الفترة وجد القيصر الألماني (البروسي) نفسه خارج اللعبة، فاتجه إلى الأستانة عاصمة الدولة العثمانية، حاملاً عدة مشاريع اقتصادية برفقة كونت فون بيلو، وزير الدولة للشؤون الخارجية، وجورج فون سيمنز، مؤسس دويتشه بنك. هذه المشاريع أثارت حفيظة المملكة البريطانية، وكذلك فرنسا، وبالأخص مشروع قطار الشرق السريع الذي كان من المقرر أن يصل بغداد بإسطنبول. بالإضافة إلى بعثات التنقيب على الآثار، واستخراج المعادن، وكذلك التدريب العسكري لضباط وجنود الدولة العثمانية. بالإضافة إلى هذه الأهداف كان هناك هدف آخر يتمحور حول زيارة حج للأماكن المقدسة المسيحية في القدس، حيث دشن هناك الكنيسة الإنجيلية الألمانية، في31 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1898، والذي اختار هذا التاريخ هو القيصر نفسه، حيث يصادف تاريخ قيام ثورة الإصلاح الديني اللوثرية عام 1517. كما زار القيصر أثناء رحلته مناطق جبل لبنان، وبعلبك ووصل إلى دمشق.

القيصر في حضرة السلطان

وصل القيصر الألماني فيلهلم الثاني، أو كما يقال له بالعربية غليوم الثاني إلى دمشق، واستقبلته المدينة استقبالاً عظيماً، ووصفت صحيفة المقطم (جريدة يومية سياسية، صدرت في الفترة 1888 – 1952م، أنشأها يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس في القاهرة) الزيارة في عددها رقم 2933 الصادر بتاريخ 16.11.1898 في الصفحة الأولى، إن استقبال العاهل الألماني في دمشق، كان حافلاً جداً، وأن أهالي المدينة أظهروا الابتهاج والسرور بقدومه، وهذا ما لا يُشاهد عادة في الشرق. وقد وصف القيصر حفاوة الاستقبال الذي حظي به في دمشق خلال خطابه قائلاً: “من يريد أن يرى احتراماً فائقاً فليزور دمشق”.

إكليل الذهب الذي وضعه القيصر الألماني الأخير على قبر صلاح الدين الأيوبي بدمشق
إكليل الذهب الذي وضعه القيصر الألماني الأخير على قبر صلاح الدين الأيوبي بدمشق

وأثناء إقامته في دمشق، زار القيصر الجامع الأموي، وقصر آل العظم، كما قام بجولة على معالم المدينة، وصعد إلى جبل قاسيون، وأُقيم على شرفه عرض عسكري في المرجة، ومأدبة عشاء كبرى، ومن بين الأماكن التي زارها ضريح السلطان صلاح الدين الأيوبي (1138 – 1193- تذكر مصادر تاريخية أن الأيوبي كان له علاقات جيدة مع القياصرة الألمان)، ووضع فيلهلم الثاني إكليلاً من الذهب على الضريح، وكذلك أمر صناعاً مهرة بصنع قبراً من المرمر ما يزال موجوداً إلى جانب القبر الأساسي لصلاح الدين، أما الإكليل فتشير مصادر عديدة  إلى أن القائد الإنكليزي توماس إدوارد لورنس المعرف بلورنس العرب (1888- 1935) عندما دخل دمشق غازياً سنة 1918 قام بسرقة الإكليل، وتم وضعه بالمتحف الحربي البريطاني في لندن، وما يزال موجوداً حتى الآن، رغم المطالبات العديدة سواء السورية أو الألمانية لاستعادته، إلا أن الحكومة البريطانية رفضت ذلك، على الرغم من إشارة المصادر البريطانية إلى فعل السرقة الذي قام به لورنس العرب. وقد برر فعلته قائلاً بحسب المصادر”أن صلاح الدين لم يعد بحاجته”. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا تطالب به الحكومة الألمانية الآن كونه جزء من مرحلة تاريخية مهمة؟

حمار أبو الخير ووسام القيصر

صورة الحمار الذي تقلد وسام القيصر
صورة الحمار الذي تقلد وسام القيصر

تتناقل العديد من المواقع والمقالات والصحف قصة طريفة تتعلق بزيارة القيصر فيلهلم الثاني إلى دمشق، وقد وردت القصة أيضاً في كتاب مذكرات البارودي لصحابها (فخري البارودي 1887-1966) الصادر عن مطابع دار الحياة في دمشق وبيروت عام 1951، والذي حصلت على نسخة إلكترونية منه من أرشيف مكتبة جامعة برينستون. تقول القصة أن زوجة فيلهلم الثاني أوغستا فيكتوريا (1858 – 1921)، وأثناء التجوال في دمشق أعجبت بحمار أبيض، حيث لفت نظرها، فسألت الوالي أن يأتي بالحمار، فراح الوالي يبحث عن صاحب الحمار، فوجد أن ملكيته تعود لتاجر اسمه أبو الخير أغا تللو، وكان من الشخصيات المعروفة في منطقته، وبحسب مذكرات البارودي فإن الأغا كان دائماً يفاخر ويقول بأن له حبيبين “الحمار وحفيده حسني”. استدعى الوالي أبو الخير أغا، وطلب إليه إهداء الحمار للإمبراطورة، فرفض واعتذر منه، فعرض الوالي على أبي الخير أن يشتري الحمار، فأصر أبو الخير على الرفض، ولما ألح عليه الوالي، قاله له: “يا أفندينا إن لدي ستة رؤوس من الخيل، فإن شئت قدمتها كلها كهدية للإمبراطورة، أما الحمار فلا”.

استغرب الوالي كلامه وسأله: لماذا؟ فأجاب أبو الخير: “يا سيدي، إذا أخذوا الحمار إلى بلادهم ستكتب الجرائد والصحف عنه، ويصبح الحمار الشامي، موضع نكتة و سخرية، فيقول الناس إن الإمبراطورة لم تجد في دمشق ما يعجبها غير الحمار، لذلك لن أقدمه لها، ولن أبيعه”.. فنقل الوالي الخبر إلى القيصر وزوجته، فضحكا كثيراً وأعجبا بإجابته، وأصدر الإمبراطور أمراً بمنح أبو الخير وساماً، فسماه وسام الحمار.

يبقى لي أن أقول أنني أوردت قصة هذه الزيارة لأنه بعد مرور 119عام عليها في مثل هذه الأيام، حيث انتقل الكثيرون من أحفاد وأحفاد أحفاد من استقبلوا القيصر في دمشق إلى ألمانيا لتستقبلهم المستشارة ويستقبلهم الشعب الألماني، وسلك بعض منهم الطريق ذاتها عبر البحر لكن باتجاه عكسي.

خالد العبود | أمل برلين

* هوامش:
1- مذكرات البارودي- فخري البارودي – بيروت/دمشق 1951 –  مطابع دار الحياة.
2-  مدونة عن حياة القيصر فيلهلم الثاني (باللغة الألمانية)
3- رحلة الإمبراطور وليم الثاني إلى الشرق في مرآة الصحافة العربية المعاصرة- عبد الرؤوف سنو- الجامعة اللبنانية.

* الصور:
– 
الإكليل المذهب (المصدر فيسبوك).
– صورة الحمار من كتاب مذكرات البارودي.
– صورة الغلاف من مجلة The Illustrated London News (تشرين الثاني 1898- العدد 775 (كنوز سيريا نيوز).