السياسة

مصير لاجئي “تيمبلهوف” بين صد ورد من حكومة برلين

الجمعة 20 أكتوبر 2017

“مطار تيمبلهوف” في برلين، لم يبقَ له من الاسم شيء.. فهنا لن ترى طائرات، بل مدرجاتها الخالية، ولن ترى مسافرين، بل ستسمع بقايا صدى لكلمات الوداع التي احتفظ بها المكان. ترى فقط النقطة الأمنية، التي يمرّ عليها كل من يدخل، فيتم تفتيش حقائبه. يقيم في الهنغارات التي كانت مخصصة للطائرات في الماضي، 210 قادم جديد إلى العاصمة الألمانية برلين. حيث يسكنون في غرف بلا أبواب، وبلا سقف! فسقف الهنغار يكفي.

يسكن في كل غرفة ما بين أربعة إلى ستة أشخاص، فيما استقبل المأوى المؤقت للاجئين قبل سنوات في بداية افتتاحه ما يقارب 1600 شخص، بينهم أطفال ونساء. أما في الوقت الحالي يعيش 175 ذكور، و35 إناث، منهم 35 تحت سن 18 و175 فوق سن 18، وتقدم شركة TAMAJA (الشركة المسؤولة عن المكان)، خدماتها لهم عبر شبكة من العاملين، والموظفين الاجتماعيين. بالإضافة إلى هؤلاء، هناك قسم مخصص للواصلين حديثاً والذين يبلغ عددهم اليوم 300 شخص، بحسب ماتياس نوفاك أحد موظفي الشركة الذي قابلته أمل برلين، وهؤلاء تتراوح إقامتهم في المكان ما بين 3 إلى 10 أيام.

خروج اللاجئين شرط لدخول المشردين

نشرت صحيفة “برلينر مورغن بوست” في عددها الصادر يوم الخميس، خبراً حول رغبة حكومة برلين بنقل 100 من المشردين في المدينة، خلال فصل الشتاء إلى مأوى اللاجئين المؤقت في مطار تيمبلهوف. وأشارت الصحيفة أن الشركة المشرفة على المأوى المؤقت TAMAJA، تقول أنها على استعداد لذلك، لكن بشرط نقل اللاجئين إلى بيوت أو أماكن أفضل من الهنغارات التي يعيشون فيها منذ سنتين تقريباً.. أمل برلين وفي متابعتها للقضية زارت المأوى المؤقت والتقت كل من السيد ماتياس نوفاك، والسيدة تيريزا يوخام.

يقول السيد نوفاك وهو من قسم تنمية التواصل في الشركة: “المكان قادر على استيعاب هؤلاء المشردين، ولقد أبلغنا حكومة برلين بذلك، لكننا أيضاً أخبرناها بأن يتم أولاً نقل اللاجئين الذين يبلغ عددهم 210 أشخاص، إلى أماكن أكثر صلاحية للسكن من هذه الهنغارات، لأن هؤلاء الذين يعيشون ضمن هذه الظروف السيئة منذ عامين، من حقهم أن يكون لديهم شققهم الخاصة، التي يتمكنون فيها من ممارسة حياتهم الطبيعية، كأن يقوموا بالطبخ، والاستحمام، وأن يكون لديهم غرفهم الخاصة التي لا يشاركهم بها الآخرون”.

ماتياس نوفاك
ماتياس نوفاك

وأضاف السيد نوفاك أنه العام الماضي وفي موسم الشتاء، استضاف المكان 100 من مشردي برلين، حيث كانوا ينامون، ويحصلون على المساعدة هنا، كالاستحمام، والطعام والنوم. حتى أن اللاجئين المقيمين في المكان قاموا بمساعدتهم أيضاً، لكنهم كانوا ينامون في هنغارات منفصلة عن الهنغارات المخصصة للاجئين.  وأشار نوفاك إلى أن الحكومة وعدت بإغلاق هذا المكان، ونقل اللاجئين إلى مساكن تتمتع بظروف معيشية أفضل من هنا، لكنها لم تفِ بهذه الوعود، وقال أيضاً أن الإغلاق كان من المقرر أن يكون في شهر أب/ أغسطس الماضي، لكنهم قدموا وعوداً أخرى بأن يغلق المكان في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وربما يمتد ذلك لأشهر أخرى. وأكد نوفاك على أن من حق هؤلاء اللاجئين أن يحصلوا على منازل خاصة: “من حقهم أن يبنوا مستقبلهم، لا أن يعيشوا في مأساة طوال حياتهم”.

أما حول نقطة التفتيش التي يجب على كل داخل إلى المكان أن يمرّ عليها، حيث تُفتش الحقائب. فقد أوضح نوفاك أن هذه العملية تتم على كل داخل للمكان، سواء من الموظفين والعاملين فيه، أو من المقيمين أو الزوار، وذلك للحفاظ على أمن وآمان المقيمين في المكان.

تيريزا يوخام
تيريزا يوخام

السيدة تيريزا يوخام التي رافقت فريق أمل برلين بجولة في المكان، أشارت إلى أن هذه الخطوة جاءت من شركة TAMAJA كوسيلة ضغط على الحكومة، لتضع في حسبانها هؤلاء المقيمين هنا، ولإظهار ما يعيشه هؤلاء للمواطنين الألمان، وتوجيه الأنظار إلى مأساتهم. موضحة أن من حق هذه العائلات وهؤلاء الأشخاص، أن يكون لهم غرفهم الخاصة التي يغلقون أبوابها، ويمارسون حياتهم فيها. وأشارت إلى أن هذه الظروف التي يعيشها هؤلاء لا توفّر لهم الجو المناسب لتعلم اللغة، على الرغم من وجود مركز مجهّز بالحواسيب مخصص لذلك، بسبب الأصوات العالية والضجيج في المكان، وكذلك الظروف السيئة المتعلقة في مشاركة الآخرين الغرفة معهم.

مُرحب بالمشردين لكن..!؟

خلال الجولة داخل الهنغارات المخصصة للاجئين، حيث كان وقت الغداء، استعرضنا رأي محمد ووائل الذين انتهيا من تناول وجبتيهما وجلسا يتناولان كأساً من الشاي.. محمد (23 سنة) جاء من سوريا، ويقيم في هذا المكان منذ عامين. تقدّم محمد بامتحان اللغة الألمانية، لكنه لم يتجاوزه، مشيراً أثناء حديثه معنا إلى أن الظروف السيئة التي وصفها بــ (تحت الصفر) لم تساعده على متابعة دروسه، وذلك بسبب الضجيج وكثرة الأشخاص الذين يعيشون في غرفة واحدة، وبسبب التوتر الذي يعيشه خلال تواجده في هذا المكان.

وعندما سألنا حول مدى تقبله للعيش في مكان يجمعه مع المشردين، شدد محمد على أنه ليس لديه مشكلة بذلك في حال كان لهؤلاء هنغارات منفصلة ومخصصة لهم.  أما وائل(24 سنة) وهو أيضاً سوري ويقيم في المكان منذ افتتاحه، فقد قال: “المشردون أنواع، فهناك من يدمن الكحول، والمخدرات، هؤلاء لست مع إسكانهم في هذا المكان، هناك عائلات وأطفال يعيشون هنا، أما الآخرين فأنا مع إسكانهم بالتأكيد لأنهم بشر مثلنا”.. وائل ينتظر نتيجة امتحان اللغة الألمانية، ويأمل أن يحصل على فرصة تدريب وتعليم مهني، وتعليقاً على ظروف المكان ختم حديثه قائلاً: “شيء أفضل من لا شيء”.

غادرنا المكان، وفي خاطرنا الكثير من الأسئلة حول المصير الذي ينتظر هؤلاء الذين هربوا من بلادهم، لكي يحققوا أحلامهم في أوربا، فوجدوا أنفسهم في هنغارات بمطار منسق، كانت تحط فيه طائرات الإغاثة الجوية الأمريكية، حين كانت برلين تعيش ظروفاً صعبة بعد الحرب العالمية الثانية.

مركز تعلم اللغة
مركز تعلم اللغة

أمل برلين | تقرير وتصوير: خالد العبود