السياسة

ما وقع أحداث عفرين على الكورد في برلين؟

الجمعة 23 مارس 2018

لم يترك “أ. أ.” تليفونه لمدة ساعتين هي مدة مقابلتي معه، وبين دقيقة وأخرى يتفحصه بسرعة لمعرفة أخبار ذويه في عفرين، وإذا ما بدأنا الحديث قاطعني ناظرًا في هاتفه: “لحظة يبدو هذا فيديو من المدينة، أو هذا منشور له علاقة”. آلان شاب يعيش في برلين جزء منه، أما بقيته فمازالت في عفرين حيث الأهل والأصدقاء، يبدو عليه القلق والحزن، فمنذ بداية الهجمات التركية بالتعاون مع الجيش الحر على عفرين في 20 يناير 2018، تم وقف خدمة “النت الفضائي القادمة من تركيا والتي كان يعتمد عليها الكثيرون في التواصل مع ذويهم في الخارج، وفي منتصف الحملة قامت الطائرات التركية بضرب برج شبكة الاتصالات بعفرين وصار كل المدنيين بدون تواصل مع الخارج سوى القليل الذين يحاولون جاهدين إيجاد طريقة لإرسال بعض الفيديوهات لأصدقائهم في الخارج.

أما آلان العفريني “هكذا أحب أن أناديه” فكان أكثر تفاؤلًا محاولًا إظهار قدرًا من البهجة قال انه يستمدها فقط من ذكريات “الضيعة” التي ولد وعاش فيها بعفرين، فهو الآخر يعيش في برلين تاركًا أهله وأصدقاءه وأقرباءه وتاريخه وذكرياته في عفرين. وكان لأمل برلين لقاء مع الشابين الكرديين للحديث حول الوضع في عفرين وعلاقتهم بالأتراك في برلين وغيرها من الأمور ذات الصلة.

التظاهر والمقاطعة وكتابة الشعر للاعتراض

وحول كيفية التعبير عن رفض ما يحدث في عفرين بل وللأكراد في دول الإشكال كإيران وسوريا والعراق وتركيا، قال أ.أ: “أصبح عندي يقين بأنه لين يتغير شيء في الداخل السوري إلا بإرادة الأطراف السياسية، وبالتالي قل إيماني بالتظاهرات، كما أنني لا أشارك بتظاهرات الأكراد في ألمانيا لأنها مدارة من قبل حزب البي كي كي، لأنه لدي تحفظات على الحزب أهمها أن حزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) في عفرين دأب على إدارة المدينة بطريقة ديكتاتورية تتسم بالإقصاء لكل الأصوات المعارضة، هذا برغم رفضي لوصم الحزب بالإرهابي”. وأضاف بأنه رغم أن التاريخ يزخر بكل ما فعله الأتراك بالأكراد إلا أنه لم يكن ليأخذ الأمر بشكل شخصي أبدًا، أما الآن وبعد ما يحدث في عفرين، يقول أ.أ: “أنا أقاطع كل ما هو تركي، فأنا لا أشتري من المحال التركية كما أنني لا يمكنني تقبل فكرة السفر إلى اسطنبول مثلًا”.

أما آلان العفريني فيحرص على المشاركة في التظاهرات لإيمانه بالقضية الكردية ورغبته قائلًا: “أحب أن أقنع الناس بقضية شعبي، لذا فأنا أتحرك في كل الاتجاهات السلمية كالتظاهرات والمشاركة في النقاشات ذات الصلة، أيضًا أقوم بكتابة الشعر ونشره”. وأضاف: “نحن الأكراد شعب يحب التعايش والانفتاح على الثقافات، ولدينا مع الثقافة التركية الكثير من المشتركات ولدي العديد من الأصدقاء الأتراك المؤمنين بالديمقراطية وبحقوقي ككردي، إذن مشكلتي ليست مع الشعب التركي أو الايراني أو العراقي ولكن مع سياسات هذه الدول، وكما أرفض الظلم لنفسي فأنا أرفض أن أظلم الآخرين أيضًا، لذا كل تركي يرفض الظلم مرحب به لدي”.

مقاومة الغضب باستدعاء الذكريات

“أشعر بالعجز والقهر لما يحدث في عفرين، ويزداد حزني كل يوم بمشاهدة معاناة المدنيين هناك، ففي النهاية هم من يدفعون دائمًا الثمن”. هكذا وصف أ.أ شعوره تجاه الهجمات على عفرين، بينما أكد آلان عفريني أنه ونتيجة للأحداث المأساوية التي تشهدها عفرين يشعر بالحقد على المجموعات التي تقوم بتدمير قريته قائلًا: “طوال الوقت أحاول معالجة مشاعر الكراهية أو الغضب على أصدقائي العرب من خلال استدعاء ذكرياتي الجميلة معهم خلال فترات الدراسة، وعندما يعلقون على منشوراتي عن عفرين بشيء من الاستهزاء أحاول التماسك، فتبادل السباب لن يفيد أي منا. وكلما تصاعد إجرام المرتزقة في عفرين كلما نما لدي شعور بالكراهية لم يسبق لي أن حملته، وعندها أسارع بالاتصال ببعض الأصدقاء العرب وأغضب وأسب حتى تهدأ ثورتي فأقول لهم عذرًا وهم يتفهمون جيدًا مشاعري فلديهم من الوفاء والإنسانية ما يجعلهم يرفضون الظلم الواقع على الأكراد. ودائمًا ما أذكر نفسي بأن الواقع المؤلم للشعب السوري عرب وأكراد يجب ألا أترك المجال للبغض أو بناء مساحات للكراهية في قلبي”.

التخريب لن يخدم القضية الكردية

وفيما يتعلق بما أثير مؤخرًا حول اتهام بعض الأكراد بإحراق أحد المساجد أكد “عفريني” على رفضه القاطع لذلك (هذا في حال قيام بأكراد بذلك فعلًا) لأنه هجوم على مؤسسات على أرض دولة غير معنية وهي ألمانيا، كما أنه هجوم على دار عبادة، كما يمثل الهجوم أيضًا تعدي على حرية المسلمين الذين يرغبون في ارتياد المساجد التركية، ووصفه بالعمل غير الأخلاقي، قائلًا: “بذلك لن تتحرر عفرين ولن ينال الشعب الكردي حقوقه، وهو أمر يضر بالقضية أكثر مما يخدمها”، واستدرك قائلًا: “يجب أيضًا عدم استخدام المسجد في التعدي على آراء وكرامات الأكراد، فقد قيل أنه لطالما استخدم هذا المسجد للتحريض على الأكراد، كما أنني أرفض ربط الديني بالسياسي وتحريض المصليين على الشعب الكردي بدافع ديني ناهيك عن وصف الأكراد بالإرهابيين”.

كيف الرجوع بعد السرقة والنهب؟يقول أ.أ: “لم يكتف الجنود الأتراك وعناصر الجيش الحر بالقتل والتدمير ولكنهم راحوا يعلنون استمتاعهم بسرقة البيوت المغلقة بعد أن قاموا بفتحها عنوة، فلم يتورعوا أن يصوروا أنفسهم لدى قيامهم بالنهب وحملهم للمسروقات أمام الكاميرات رافعين أصواتهم بالضحك”. وبخصوص إمكانية الخروج من عفرين يقول أ.أ: “عفرين محاصرة بمناطق إما تابعة لتركيا والجيش الحر أو للنظام السوري، وبالتالي فلا الخروج ولا العودة أمرًا سهلًا، ومن استطاع الخروج تهريبًا اضطر لدفع 1000 يورو للشخص الواحد، وبخصوص العودة، فقد استطاع زوج عمتي العودة ووجد المشهد مرعب بشكل كبير، فقد تغيرت المدينة خلال يوم واحد، فالآليات العسكرية وأشكال المقاتلين تبعث على الذعر، فهم ليسوا أفراد جيش ولكن شكلهم شكل عصابات، هذا بالإضافة إلى أنه هناك حالة من الإنفلات التام، كما أن كتائب الجيش الحر نفسهم يتقاتلون مع بعضهم البعض، هذا يؤيد السرقة والنهب وهذا يرفضه، كما أن الكثير من المباني مفخخة فالقوات الكردية قام بتفخيخها، والعديد من كل عناصر الجيش الحر والقوات التركية ماتوا هناك لهذا السبب”.

لا أحد يهتم للأكراد.. الكل يعمل لمصالحه

ردًا على قول البعض بأن أردوغان يقوم بهذه الهجمة من أجل حماية عفرين لأهلها والحفاظ عليها، يقول أ.أ: “تصرف تركيا لا علاقة له بمصلحة ولا بخير الأكراد، فالأمر كله يدور حول مصالح الأطراف المتصارعة، فالحرب في سوريا في مراحلها الأخيرة، وأصبح تقسيم سوريا قريب، اختفت الآن داعش، كما قامت تركيا قبل ذلك بالسماح لداعش بدخول كوباني بعد أن كان الجش الكردي يحقق نصرًا في دحر التنظيم تسلل داعش مرة أخرى إلى كوباني عن طريق تركيا لتحدث مجزرة كوباني آنذاك، والآن وبعد أن استخدم الأمريكان والروس الأكراد في حرب داعش، لم نعد نسمع الكثير عن هذا التنظيم، الذي بسببه أصبح كل شيء مباح، حتى أن النظام السوري تبرأ من كل جرائمه ضد شعبه لأنه يحارب الإرهاب، الكل ساعد داعش، فتركيا أدخلتهم سوريا، وجيش النظام سلم مناطقه لهم ثم عاد وأخذها منهم كتدمر على سبيل المثال، ثم بعد استردادها يحضر أوركسترا روسية ليري العالم تحضره واهتمامه بالثقافة، وهكذا”.

محاباة إسرائيل ومحاباة تركيا

“أرى القول بأن الأكراد مؤيدين لإسرائيل نوع من السذاجة، لأنه بالواقع الكثير من الأكراد يعلنون هذا من باب النكاية بالعرب وهذه أيضًا أعتبرها سذاجة، كما أن العرب ينتظرون من الكردي أن يعلن عدائه لإسرائيل دونما أي سبب مباشر لذلك العداء، سوى أنهم يريدون الكردي أن يتبع الفكر العربي أينما كان”. هكذا عقلق أ.أ على غضب العرب من تأييد الأكراد لإسرائيل مضيفًا: “لكن العرب لا يدركون أنهم يفعلون نفس الشيء دونما مراعاة لشعور الكردي وذلك عندما يرفعون الأعلام التركية رغم درايتهم بالمشكلة الكردية التركية، بل ويؤيدون أحيانًا سياسات تركيا ضد الأكراد”. واختتم أ.أ حديث قائلًا: “خرجنا في الثورة السورية لمطلبين، الأول: إزاحة النظام، والثاني: المزيد من الحقوق للأكراد”.

“فيما يتعلق بقضية الانفصال والدولة الكردية فالأمر لا يعنيني شخصيًا، فأنا ضد الحدود من الأساس، لكن أظن أن الشعب الكردي تاريخيًا يستحق أن يقرر مصيره ويحظى بهذه التجربة أيًا كانت نتائجها استقلال أو كونفدرالية”..

في نهاية لقاءنا معه أكد آلان العفريني احترامه لحزب “بي واي دي” رغم تحفظاته على بعض الممارسات الخاطئة التي وقع ويقع فيها الحزب في محاولاته لإرساء الديمقراطية مثمنًا حرص قياداته على النهوض بالمرأة الكردية ومساواتها بالرجل بكافة مناحي الحياة، كما حرص على وصف نفسه بالسوري الكردي، الذي يحلم بمزيد من الاستقلال لأبناء شعبه مع حق السوريين بالذهاب إلى المناطق الكردية والتمتع بما فيها من جمال والعكس بالعكس”.

أمل برلين | إعداد وحوار: أسماء يوسف
Photo: Samer Masouh